حين تخزلني عيناك

بقلم هاجر عبد الحليم

في المقعد الخلفي، جلست ليان، تقبض على يد قصي بشدة. أناملها كانت باردة، مرتعشة، كأنها تلمس شيئًا لا
يُرى، وعيناها متسعتان تحدقان في النافذة، بينما شفتيها تتحركان بهمهمة خافتة، كأنها تهمس بدعا ء مكسور.
قصي – بصوت منخفض، يخفي ما به من توتر
“إحنا فين؟”
عبدالرحمن – من المقعد الأمامي، دون أن يلتفت، بنبرة هادئة لكن حاسمة:
“إحنا قربنا… المكان اسمه مقام الصمت السابع، اتنسى من زمان… بس لسه صاحي للي زيكم.”
نظر قصي إلى ليان، ثم إلى الطريق أمامه، ثم عاد يشد على يدها برفق، كأنه يقول لها بصمته: أنا جنبك… ما
تخافيش.
قصي – بتحفز وهو يح دق في الظلام:
“دا مقام؟ أصله بصراحة اسمه يخوف… وبعدين، ما قلتلناش إزاي الجوازة دي تمت؟”
عبدالرحمن – وهو يثبت عينيه في الفراغ كأنه يرى ما لا يُرى:
“المقام دا مش مكان عادي… مابيدخلهوش أي حد، لازم يكون متحصن بآيات الله، أو يكون ليه حكاية ناقصة…
وعايزها تحيا من تاني.
اللي حصل من خمس سنين مش صدفة… اللحظة اللي تلاحمت فيها أرواحكم القديمة، بقيت جواكم وراحو
اتجوزو ع ايد ماذون اظن انكم فاكرينه محمود ! لو مكنتش الجوازة دي تمت مكنش هيحصل تهيأة نفسيه ليكم
ومكنتوش هتقدرو ع اللي شوفتو.”
ابتلع قصي ريقه، وليان شدت جسدها نحوه أكثر.
عبدالرحمن – مستأنفًا، بصوت أكثر عمقًا:
“محمود كان صاحب فارس، بس قلبه اتلون بالغيرة. كان عارف إن فارس ببعشق الوشوم، فاستغل دا… دخله
سنتر وشوم، وحطله في صدره وشم معمول عليه طاقة سحر
اللي فارس ميعرفوش انه محمود لما اكتشف انه فارس قتل نيارا حس بالذنب وكوابيس مكنتش بتفارقه وبقا
حاسس انه بقا جواه لعنة كبيرة
ولما نيارا ماتت، وصرخت في حضن فارس وقالت: “يا ريتنا اتقابلنا في زمن تاني، يمكن كنا ننجى …” ، الكلمة
دي بقت لعنة، تانية وخلقت كارما، ربطت مصير التلاتة مع بعض.”
قصي شعر بجسده يقشعر، وليان شهقت بخفوت، والهواء داخل السيارة أصبح أثقل.
عبدالرحمن – وهو يخفض صوته كأنه يحكي سرًّا:
“محمود ندم… روحه في الزمن ده رجعت بذاكرة جديدة، عايز يكفر عن اللي عمله. علشان كده، ساعد
أرواحكم تتجسد في الحاضر، ويتتم الجوازة اللي كانت هتضيع .
وربنا يا قصي… خلاك تقول الآيات من غير ما تحس، لأنك بقيت صاحب الطاقة نفسها، لأن روح فارس
جواك… واللي كان لازم يتصلح، اتصلح بيكم.”
سكت عبدالرحمن، وكأن الكلام أثقل من أن يُقال. لم يرد أحد. وحده صوت المحرك ظل يهمس في الصمت،
وتنهيدة ليان خرجت كأنها تبكي دون دموع.
عبدالرحمن – هامسًا :
“هناك… عند التلة، هتشوفوا كل حاجة… ذكرياتكم، حكايتكم، الأرواح اللي عايزة تتكلم من خلالكم.
بس خلوكم مستعدين … ما فيش رسائل، مافيش خوف… في بس الحقيقة.”
اقتربت السيارة من التلة. الظلام صا ر أثقل، والسكون أعمق، حتى بدا كأنهم لا يتحركون فوق طريق… بل
يسيرون داخل حلم .
…
وصلت السيارة إلى حافة التلة، حيث كان المعبد قائمًا وسط بركة مياه راكدة تكسوها زهو ر عائمة صفراء
داكنة. ارتفعت عن المعبد أعمدة حجرية متكسرة، محفورة عليها رموز غامضة تتشابك وكأنها تحكي قصة لا
تنتهي.
كان الجو باردًا، وكأن المكان نفسه محتفظ بهوا ء من عصور قديمة، فيه صدى أرواح رحلت وانتقلت إلى أجساد
أخرى. كان الضوء الخافت المنبعث من شموع معلقة على جدران المعبد يرقص على الأحجار كما لو كانت
تنبض بالحياة .
عند المدخل، وقفت الأعمدة بشكل يشبه دوائر مترابطة، رمزا للتناسخ والتواصل بين الأرواح، وكأن المعبد هو
جسد ضخم يحوي بداخله قصص ا متجددة تتكرر بلا نهاية.
ليان – تشد يد قصي بقوة، تحاول تخفي خوفها:
“تحس الروح هنا مش بتموت، بس بتتغير.”
قصي – يحاول يثبتها، عيناه تلتقطان كل تفاصيل المكان بحذ ر:
” بيحكي حكاية أرواح بتتولد وتموت بس بتإن بوجع.”
عبدالرحمن – ينظر إلى الرموز حوله، ثم يقول بهدوء:
“المعبد دا مكان عشان الأرواح تتلاقى، تموت، وتتولد من جديد… حلقات حياة متصلة. هنا بنقدر نلاقي
الجواب، لكن كمان لازم نكون اقويا عشان نقدر نواجه الحقيقة اللي بتتكرر من جيل لجيل .”
تسرب الصمت بين الأعمدة، وأخذت رياح خفيفة تهب حاملة معها همسا ت لم تُفهم بعد. بدأت أطياف ظل
تتحرك بين الأعمدة، كأنها أرواح تتهيأ للحضور في الجلسة القادمة
…
كانت أقدامهم تخطو بحذر فوق أرض المعبد القديم، حيث دائرة محفورة بعناية في وسط القاعة، تحمل نقوشًا
غامضة كأنها تحكي قصة د م عتيق.
وقف عبد الرحمن أمامهما، نظراته تغو ر في العمق، وصوته لا يقبل جدالًا :
“لازم دم منكم… انتو الاتنين.”
ترددت ليان، نظرت إلى يديها المرتعشتين وهمست:
“هيفرق يعني؟ ”
أجاب عبد الرحمن بنبرة حاسمة، تقطع الشك باليقين:
“طبعًا. الدم معناه ولادة جديدة ليكم… وراحة ليهم. لما الدم يدخل الدايرة، بيكون كأنكم بتقولوا: اتكلموا،
وارتاحوا. احنا عدينا كل اختباراتكم.”
نظرقصي إلى ليان، ثم أمسك يدها بحنو:
“يلا يا ليان… ما فيش غير كدا.”
تناولت ليان شفرة صغيرة من يد عبد الرحمن، وخدشت إصبعها بخفة. تدفق الدم على الحجر البارد، تبعه قصي
بنفس الطقس. وبرودة غريبة سرت في أطرافهما، كأن المعبد تنفس من جديد.
جلسا حول الدائرة في
فجأة، صوت الزجاج يتناثر، مرايا تتكسر في الخفاء، كأن الماضي قر ر أن يتكلم.
وفجأة… تغير صوت ليان. لم تعد ليان، بل نيارا. وصوت قصي تحول إلى فارس.
تلاحمت الأرواح، ذابت الجسدان في روح واحدة، الأنفاس تناغمت، والنظرات تحولت إلى نوافذ زمن اخر
فارس – بنبرة شوق حارق:
“وحشتيني…”
احتضنها، والدموع تسيل كأنها تطفئ نارًا قديمة.
فارس –
“بجد، بالله عليكي… أوعي أشوف دموعك دي تاني، أوعي يا نيارا.”
مدت نيارا يدها، لمست وجنتيه، وكان الحنين يسكن أطراف أصابعها.
فارس – بصوت مضطرب، يبحث عن إجابة:
“هتختاريني؟”
نيارا – بثبات قلب أحب من قبل وض ل طريقه:
“هختارك، يا فارس.”
فارس – بصوت يفضح ضعفه:
“عشان صعبان عليكي، صح؟”
نيارا – بصدق نابع من روح ذاقت الغياب:
“لأ… عشان قلبي عمره ما دق غير ليك. عشان كنت دايمًا مؤمن إن جواك روح نضيفة… بس كنت محتاج
تحس إنك ممكن تخسرني.”
تقدم عبد الرحمن، وضع كفه على كتفيهما، بنظرات يملؤها الوقار، ثم قال بصوت كأنما يهمس في قلب الزمن :
“قررتوا؟”
فارس – بثبات:
“القرا ر ليها.”
نيارا – بوضوح لا يعرف التراجع:
“هرجعلك… عشان بحبك.”
……

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *