حين تخزلني عيناك
بقلم هاجر عبد الحليم

ما إن لمحها قصي، حتى اندفع نحوها بكل جوارحه، وكأن شيئًا داخله كان يصرخ لينقذها، لكن قوى خفية،
قدرية، منعته من التقدم. ظهر فارس أمامه فجأة، وقف في وجهه، وابتسم ابتسامة مشوبة بالألم، ثم… توقف
الزمن. توقفت الأحداث من حولهما، وكأن المشهد بأكمله تجمد في لحظة غامضة.
قصي )بحدة(: اوعى من سكتي!
فارس )بهدوء مشوب بالغموض(: انت ليه بتتعامل معايا كإننا مش واحد؟
قصي )بعينين مشتعلتين(: عشان فعلا احنا مختلفين! أنا عمري ما اسمح لنفسي أكون زيك. زمان، نيارا
اتغتصبت، وانت ولا كان على بالك! سمعت صريخها، كانت بتنادي عليك، بتتوسل تنقذها… بس انت، كانت
شهواتك أهم.
فارس )نبرة صوته مزيج بين الحزن والتحدي(: احنا واحد يا قصي… بس خد بالك، أنا مش ضدك. بس لو
حابب تغير الواقع، مفيش حل غير إن العدالة تحصل. ولازم أشوف اللي فيا… فيك. اتهامك ليا باطل، مكنتش
في وعيي، وهي اللي جت برجليها للبار… للمكان ده.
)ينظر حوله ويشير بيده(
بص حواليك يا قصي… المكان ده مؤذي من زمان. بس ليان جت هنا عشان الذنب والظلم اللي نيارا شافته.
ليان بتشيله عشان تريحها، عشان هما مرتبطين ببعض.
وطالما شايف نفسك شجاع، وبتقول إنك تقدر تحميها… يبقى لازم تواجه القدر اللي أنا واجهته.
قصي )بصوت مخنوق(: جيتوا لحياتنا ليه؟ عايزين تبوظوها ليه ؟
فارس )بابتسامة هادئة تتلاشى ببطء(: انتو… أمنية نيارا.
انتو… أمنية نيارا.
انتو… أمنية نيارا.
ترددت الجملة في الأجواء، بصدى كأنه ارتطم بجدران القدر نفسه، وكأن لغزًا قديمًا قد تم حله. وفي أقل من
ثانية… اختفى قصي، ووجد نفسه واقفًا في نفس المكان، لكن كل شيء تغير، كأن الزمن عاد، لكن على هيئة
أخرى.
…
الماضي
وجد قصي نفسه واقفًا أمام البار، لا يدري كيف وصل إلى هناك، المكان غارق في ظلال الليل، والهواء يعبق
برائحة الخطيئة.
وفجأة… لمح نيارا .
كانت تجري، ملامحها مذعورة، ودخلت البار بخطوات مضطربة.
قصي )بصوت مختنق(:
“لااا نيارا! امشي ! متروحيش هناك، أرجوكي… ابعدي!”
انطلق يجري خلفها، دخل المكان، مد يده إليها… لكنها مرت من بين أنامله كأنها بخار، كأنها ظل، كأنها ليست
من هذا العالم. لم تشعر بوجوده، ولم تلتفت.
نظر حوله مذهولًا… ورآه.
فارس، جالس على الطاولة، رأسه منكس، غارق في سُكر قاتل، كأنه ج\ثة تتنفس.
قصي )بيهزه بعنف( :
“فارس! قوم ! فوق يافارس ! نيارا هنا! فوق بقى!”
لم يتحرك فارس، كأن روحه تاهت في العدم .
اقتربت نيارا منه… عيناها تلمعان بالدموع، ويدها تمتد ترتجف فوق وجهه.
نيارا )بصرخة محروقة(:
“قوم بقى! فوق! حرام عليك اللي بتعمله في نفسك دا! قوم!”
لحظة واحدة… لحظة فقط كانت كافية لانهيار العالم .
ثلاثة رجال ظهروا فجأة من الظلام، شدو نيارا بعنف، وبدأوا يجذبونها بعيدًا وهي تقاوم وتصرخ بجنون.
نيارا )بتصرخ بصوت يمزق الصمت(:
“فاااااارس!! فاااااارس!! الحقني! لاااااااااا! أبعدوا عني! حرااااام عليكم!!”
كان صراخها يضرب جدران المكان، لكن فارس ظل صامتًا، رأسه ما زال منكسًا… ويداه مثقلتان بالذنب.
وقصي… واقف في المنتصف، بين الماضي والحقيقة، بين الذنب والخلاص.
..
وقف قصي، مشوشًا، عاجزًا عن فهم ما يحدث. عينيه لم تفارق المشهد المروع أمامه: نيارا تُغتصب، وهو
عاجز عن فعل أي شيء.
في لحظة مفاجئة، شعر بشيء غريب يطرأ عليه. جسده ارتعش، وصدره امتلأ بشعور بالذعر، كأن هناك قوة
خارقة تجذب روحه إلى فارس . في لحظة لم يكن يتوقعها، لمس جسد فارس، وكأن الروح التي كانت تسكنه
أصبحت متشابكة مع روحه. شعر فجأة أنه يمكنه أن يدخل في جسد فارس، وبالفعل تلبسه
فجأة، وبدون أي تحذير، انتقل إلي
الحاضر
، حيث وجد نفسه جالسًا في نفس المكان، ولكن بعينين مختلفتين،
وعيون ملبدة بالكحول والضياع. لم يعد هو، بل أصبح فارس، وعقله مملوء بالضباب .
ثم، جاء الصوت الذي أفزعه، كان صوت ليان، لكنه لم يكن الصوت الذي اعتاده.
ليان )بصوت مفعم بالألم(:
“قصيييي! الحقني يا قصي! خليهم يبعدوا عني!”
قصي نهض بعنف، محاولًا مقاومة الواقع الذي أدخله فيه فارس. همس لنفسه، وهو في حالة من التوهان:
قصي )بصوت مرتجف(:
“أنا قصي، مش فارس… أنا قصي، مش فارس…”
لكن جسمه تحرك تلقائيًا، وكأن الخوف والرحمة اجتمعوا فيه، فركض نحو الرجال الذين كانوا يحيطون بها.
بيدين ملتاعة، بدأ يضربهم، وكأنها الضربات الأولى التي أخذت من جسده ما أخذته، ولكن هذه المرة كانت
معركة على الحياة والموت.
الرجال الثلاثة لم يستطيعوا الصمود أمامه، سقطوا أرضًا واحدًا تلو الآخر، وكأنهم انتهوا فجأة.
حين نظر إلى ليان، وجدها تغطي نفسها، تحاول الحماية من العالم الذي كان قد حولها إلى فريسة . جرى إليها
بأقصى سرعته، وقف أمامها، وهو يحاول أن يثبت نفسه في هذا الوضع الغريب.
قصي:
“ليان…”
ليان )بصوت مرتجف(:
“قصي…”
وارتميا في أحضان بعضهما البعض، كأن الزمن توقف للحظة، كأن الكون كله اختصر في هذا الحضن.
ضمها إليه بقوة، وكأنه يعانق روحه التي كادت تُسحق أمام عينيه. كانت دموعه تنهار بحرقة، يتنفس من خلالها
وجعه، تاريخه، ندمه، وكل ما لم يستطع إنقاذه في السابق.
شعرت ليان بدفء غريب يسري في عروقها، كأنها اختبأت أخيرًا في حضن حبيبها، كأ ن هذا هو ملاذها الذي
خُلقت له.
قصي )يبكي وهو يهمس(:
“خلاص يا ليان… خلاص، اهدي… الموضوع انتهى… أنا هنا معاكي.”
ليان )تشهق باكية(:
“قصي… نيا…”
قصي )يمسح على شعرها برفق(:
“ششش … اهدي بقولك… كل حاجة هتبقى تمام.”
ليان )بهمس موجوع(:
“خرجني من هنا… بالله عليك يا قصي، خرجني …”
نظر إليها، واحتوى نظرتها المنكسرة بعينيه، ثم انحنى قليلًا، رفعها من الأرض بين ذراعيه، كأنها أثمن ما
يملكه في الدنيا.
أسندت رأسها على صدره، وأغمضت عينيها بارتياح، كأنها قررت أن تثق به، أن تترك ألمها بين يديه.
في الخلف، كانت نيارا وفارس يشاهدان المشهد بدهشة وذهول، ممزوجين بالأمل.
مد فارس يده ولمس وجهه، فوجد أن السواد الذي كان يغمر عينيه قد اختفى.
نظرت نيارا إلى جسدها، ففوجئت أن كل آثار الألم … كل الكدمات، كل العلامات، اختفت، وكأنها لم تكن يومًا
هناك.
نيارا )بصوت مرتعش(:
“في أمل… صح؟”
اقترب فارس منها واحتضنها بشوق عاشق خائف من الفقد، وهمس في أذنها:
فارس:
“أيوه… أيوه يا حبيبتي، في أمل…
….
