حين تخزلني عيناك

بقلم هاجر عبد الحليم

عادت ليان إلى المنزل مسرعة، وصوت قلبها يكاد يغلب على أنفاسها. ما إن دخلت غرفتها حتى أغلقت الباب
خلفها بتوتر، وأسندت ظهرها إليه كأنها تهرب من شيء يطاردها.
تقدمت ببطء نحو المرآة، عيناها متسعتان، ونبضها يتسارع. وما إن نظرت إلى انعكاسها، حتى تجمدت في
مكانها.
رأت نفسها تبكي، ووراءها قصي، لكن لم يكن كقصي الذي تعرفه. كان يقف عاري الصدر، يغطي جسده وشوم
داكنة، يتصاعد حوله دخان كثيف، وكان شريان يده مقطوعًا، يتدلى منه الدم في مشهد عبثي مفزع .
شهقت ليان وصرخت بفزع:
“آااااااااااااه
مدت يدها لترى إن كان ما تراه حقيقيًا، لكن المرآة لم تُظهر إلا انعكاسها وحدها.
تراجعت بخطوتين إلى الوراء، ثم جلست على طرف السرير، تحتضن رأسها بكفيها، وتهمس لنفسها:
“لا… كده الموضوع بقى بجد.
أنا شايفاها، والله العظيم شايفاها بعيني.
وبعدين؟ من ساعة ما شوفت اللوحة دي وكل حاجة قلبت،
أصوات، أحلام، شبح فارس، وقصي بيظهرلي في كل ركن، حتى في المراية!”
رفعت نظرها ببطء، تراقب انعكاسها بحذر، ثم قالت بصوت مرتعش :
“قصي… أنا لمحته، في المرايا… كأن في نسخة تانية منه، مش هو، بس هو…
إزاي يعني؟!
هو في إيه؟ هو قصي ده ليه علاقة بفارس
ولا أنا اللي فعلا بدأت أتهز نفسيا وقربت اتجنن؟ً”
سكتت لحظة، ثم قامت متوترة تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا، تهمس :
“أنا لازم أفهم… اللوحة دي مش عادية، فيها سر…
وفارس اللي بيظهرلي، وكلمة “بحبك يا نيارا”…
هي مين نيارا وليه اسم غريب كده؟
ومين اللي بيعيط في ودني بالليل؟!”
توقفت فجأة، نظرت للمرايا مرة تانية بنظرات متحدية، وقالت:
“خلاص… أنا هعرف .
هفضل ورا الموضوع ده، لحد ما أفهم كل حاجة.
بس قصي… لازم أعرف هو فين من ده كله،
…
دخلت ليان إلى مرسم قصي بخطوات مترددة، وقلبها يسبقها في الخفقان. وقع نظرها عليه فورًا، كان واقفًا أمام
لوحة كبيرة يرسم فيها بانسجام تام. اقتربت منه قليلًا، ثم تجمدت مكانها حين اكتشفت أن ملامح الوجه
المرسوم… هي ملامحها .
ليان )بدهشة وابتسامة خفيفة(:
“مكنتش أعرف إني حلوة كده؟”
قصي )من غير ما يرفع عينه عنها(:
“يبقى لازم تشوفي نفسك في عنيا أنا… أنا عمري ما شفتك وحشة.”
ليان )بتحاول تخبي توترها(:
“أنا جيت عشان…”
قصي )مقاطعًا بنبرة هادئة( :
“قلبك كان عايز يطل عليا صح؟”
ليان )وهي بتبعد نظرها(:
“لأ… اللوحة، أصلي… كنت جاية عشانها.”
قصي:
“آه، اللوحة. أنا جبتها هنا.”
ليان )بانفعال(:
“جبتها إزاي؟ دي المفروض ممنوع تطلع من المتحف!”
قصي )بنبرة رسمية(:
“قدمت طلب رسمي لإعادة الترميم خارج المتحف، قلت إن في مواد لازم أستخدمها ومش موجودة هناك، وبعد
نقاش طويل جدًا، المدير وافق.”
ليان )بإعجاب خفي(:
“طلعت مش سهل!”
قصي )بابتسامة خفيفة(:
“تعالي شوفي، اشتغلت فيها شوية.”
اقتربت ليان من اللوحة بخطوات بطيئة، وفجأة، انطفأ النور، وساد الظلام. هب نسيم غريب حرك الستائر
بخفة، كأن شيئًا يستعد للظهور وقبل أن تنطق، انبعث من قلب اللوحة نور غريب .
ليان )بصوت مرتجف(:
“قصي! في نور… شوفته، يا قصي!”
قصي )مندهش وهو ينظر حواليه(:
“أنا مش شايف حاجة يا ليان !”
ليان )بحدة(:
“إزاي مش شايف؟ أهو، ياقصي أهو! استنى…”
قصي )برعب(:
“لأاا، ما تقربيش!”
ليان )بإصرار(:
“يعني إيه ما قربش؟ أنا مش خايفة!”
اقتربت من مصدر النور، وعيناها متسعتان من الذهول. هناك، داخل اللوحة، رأت صورة شاب يشبه إلى حد
كبير ذلك الذي رأته في المرآة… ويشبه قصي.
مدت يدها لتبتعد، لكنها شعرت بيد تمسك بها فجأة!
الصوت )من داخل اللوحة(:
“نيارا… أوعي تبعدي، خليكي جنبي… ساعديني أخرج للنور… لسه وقتنا مع بعض مخلصش… أنا كويس، مش
مشوه… يا نيارا، ثقي فيا… ثقي في فارس حبيبك…”
صرخت ليان بأعلى صوتها وارتدت إلى الخلف، سقطت على الأرض بعنف وهي ترتجف.
قصي )بقلق وهو بيقرب منها(:
“شُفتي إيه؟!”
ليان )بجسم بيرتجف، وإيدها بتشاور على اللوحة(:
“قالي… قالي يا نيارا، ناداني !، أنا حسيته… كان ماسكني، كان جوه اللوحة وانا كنت معاه ياقصي ”
..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *