حين تخزلني عيناك
بقلم هاجر عبد الحليم

فتح عينه
رأى نفسه يحتضن ليان وهي تصرخ، تتلوى بين ذراعيه، تقاوم شيئًا لا يُرى.
ثم فجأة… فتحت عينيها وات سعت حدقتاها برعب، قبل أن ترتمي داخل حضنه بقوة.
قصي )بقلق وهو يض مها( :
“نفس الحلم؟”
ليان )ته ز رأسها وهي تلهث(:
“أيوة… هو هو… نفس الإحساس… نفس الظلمة اللي بتشدني!”
سكت لحظة، ثم حاول أن يخف ف عنها بتغيير الأجواء، فابتسم رغم اضطرابه:
قصي:
“طب… تحبي نقوم نخرج شوية
ليان )تنظر إليه بتركيز، صوتها مليء بالشك والحنين(:
“انت كنت فين؟”
قصي )يربت على شعرها وهو يبتسم(:
“معاكي يا حبيبتي… نايم جمبك طول الوقت، مقدرش أبعد عنك.”
وقبل أن ترد، جاء صوت طرق خفيف على الباب .
ليان )تلتفت نحو الباب وتهمس(:
“مين اللي بيخبط؟”
قصي )ينهض بهدوء( :
“هقوم أشوف.”
أشارت برأسها بالموافقة، وبقيت مكانها تنظر خلفه بقلق.
فتح الباب، فوجد عبدالرحمن واقفًا، ملامحه جادة،
عبدالرحمن:
“السلام عليكم.”
قصي:
“وعليكم السلام… خير؟”
عبدالرحمن )يدخل بخطوات سريعة(:
“ممكن أدخل؟ عندي ليك أخبار… مهمة جدًا .”
قصي )يرفع حاجبه(:
“بخصوص مين؟”
عبدالرحمن )ينظر إليه بثبات(:
“فارس ونيارا… مثلًا .”
….
كان الجو ساكنًا في الردهة، خطوات ليان الهادئة تقطع الصمت وهي تقترب من عبدالرحمن بكوب الشاي.
ليان )بابتسامة خفيفة(:
“اتفضل،.”
مد يده ليأخذ الكوب، ثم نظ ر إليها بنظرة غريبة، ابتسامة باهتة على طرف شفتيه، ونبرة صوته منخفضة… لكن
غريبة، كأنها تحمل شيئًا أكثر من مجرد شكر.
عبدالرحمن )بهدوء مُريب(:
“شكر اً… يا نيارا.”
في لحظة، تغير كل شيء.
ارتعشت يد ليان، وسقط الكوب من قبضتها، تحطم على الأرض بصو ت حاد تناثر الزجاج تحت قدميها.
عبدالرحمن )يحاول التظاهر بالهدوء(:
“حصل خير…”
قصي )قفز واقفًا، عيناه على يد ليان(:
“حاسبي! هتعوري إيدك!”
لكنها لم تُفلت بالكامل… شظية رفيعة شقت كف ها.
أمسك قصي يدها بسرعة، تفحصها القلق يتصاعد في عينيه.
قصي )بقلق شديد(:
“تعالي معايا أغيرلك ع الجرح… بينزف.”
ليان )تشد يدها بلطف، نظرتها معلقة بعبدالرحمن(:
“لأ… خليك معاه، أنا هتصرف.”
قصي )بتوتر(:
“بس يا ليان…”
ليان )تبتسم ابتسامة باهتة، لكنها تحمل غصة(:
“قصي، خلاص… أنا رايحة .”
استدارت بسرعة، تخفي ارتباكها وألمها، ليس من الجرح فقط… بل من الاسم اللي خرج من فم عبدالرحمن،
وكأنها لم تعد هي في عينيه، أو كأ ن هناك سرًا دُفن للتو بين أنقاض كوب مكسور
…..
ظل قصي يحدق في عبدالرحمن بعينين ضيقتين، وساقه تهتز بلا توقف، في حركة تعكس قلقه وتوتره. بدا وكأن
الشك ينهش عقله.
قال عبدالرحمن بصوت منخفض ونبرة هادئة:
“إجابتك هتاخدها.”
تسلل الشك أكثر إلى صدر قصي، فحدث نفسه متجهم الوجه: شكله نصاب، وجاي على نية، وبيحاول يضحك
عليا.
لكن عبدالرحمن، دون أن يرمش، قال بجدية قاطعة وكأنه سمع ما دارفي ذهنه:
“أنا مش نصاب يا فارس .”
حدق فيه قصي بغضب، وانتصب في جلسته فجأة:
“نطقت اسمي غلط.”
رد عبدالرحمن بثقة وثبات، وعيناه لا تفارقانه:
“استحالة أغلط في اسمك ابدا لأني عارف حياتك كلها.”
قطب قصي حاجبيه، وانعقدت ملامحه بين الاستغراب والانزعاج:
“إيه الكلام الفارغ ده؟”
اقترب عبدالرحمن قليلًا، ونبرته أصبحت أكثر جدي ة:
“أنا هاجي دوغري معاك يا قصي. مقدرتش مجيش عندك عشان انهي كل اللي حصل،من أول ظهور ليان ليك،
و ترميمك للوحة، لحد نقاذك لنيارا من فارس… كله بيكمل بعضه صدقني واكيد عندك علم انه سبب تصرفاته
انه كان تحت تأثير سحر شديد مش كدا؟”
توسعت عينا قصي قليلًا، وبدا عليه الذهول، فتمتم:
“إنت عرفت ده كله منين؟”
أجاب عبدالرحمن بهدوء، وقد ظهرت في صوته نبرة صادقة وغريبة الطمأنينة:
“السؤال الأهم: أنا مين؟ وإي علاقتي باللي حصل ؟ بأختصار
أنا معالج روحاني، واتكلفت بالمهمة دي من خلال رؤى جاتلي، شفت فيها تناسخ حصل بين اتنين من زمن
بعيد.. وبينك انت وليان بمعني انه
روح فارس اتجسدت فيك، وروح نيارا في ليان.”
عَقَدَ قصي حاجبيه، وانحنى قليلًا للأمام، كأنه يحاول استيعاب ما يسمعه:
“بس ليه إحنا؟
رفع عبدالرحمن يده بهدوء، كمن يُسكت العاصفة قبل أن تهب، ثم قال بنبرة دافئة:
“علشان إنتو امتداد الأرواح دي. الكارما اللي رجعت عشان تصصح اللي اتكسر.
إنت النفس الطيبة اللي كانت جوه فارس، وماتت لما بعد عن ربنا وظلم نفسه.
وليان هي الروح اللي كانت بتصرخ ومحدش سمعها.
إنتو اللي قررتوا تفتحوا الباب المسكوت عنه في زمنهم، وغيرتوا قدر الماضي بحبكم لبعض.
بس دلوقتي… في خطوة أخيرة لازم نعملها، وإ لا كل اللي عملتوه هيضيع وهتفضل روح نيارا وفارس متعلقة
ومش لاقية رايحة.”
ارتسمت الحيرة والقلق على ملامح قصي، فتنفس ببطء وسأل بصوت خافت لكنه حاد:
“بس قبل ما أسمع منك أكتر. مين اللي عمل السحر لفارس؟ وليه؟”
تغي رت ملامح عبدالرحمن، وأصبح أكثر جدية وهو ير د :
“الإجابة دي مرتبطة بحاجة تانية… إزاي ليان بقت مراتك يا قصي؟ ”
رمقه قصي بنظرة متحفظة، وقال بإصرا ر:
“طب جاوبني!”
أدار عبدالرحمن ظهره، وسار نحو الباب بخطى واثقة، ثم قال دون أن يلتفت:
“روح طمن ليان.. واجهزوا بسرعة . عندنا مشوا ر مهم.”
وخرج، تاركًا قصي وسط زحام من الأسئلة والقلق والدهشة
…
