حين تخزلني عيناك
بقلم هاجر عبد الحليم

كان قُصي نائمًا، أنفاسه هادئة، يحتضن ليان وكأنها ملاذه الأخير في هذا العالم المضطرب.
لكن فجأة… أحس بيد تلمسه، ببطء، بطريقة غريبة لا تُشبه دفء ليان.
فتح عينيه، ومع اتساع حدقتيه، شهق بدهشة.
كانت نيارا تقف أمامه، بثوب أبيض يتمايل كالدخان، شعرها مسدول على كتفيها، ونظراتها تشتعل بغموض.
قُصي )بصوت مخنوق(:
ن… نيارا؟ !
نيارا )بابتسامة باردة(:
آخر مرة هظهرلك يا قُصي… ولأول مرة، هقولك الحقيقة…
اللي نايمة جنبك دي؟ أنا.
شهق مجددًا، قلبه يخفق بجنون، كأنه يقاتل كي لا يصدق.
قُصي )ينهض جالسًا، ينظ ر نحو ليان بدهشة(:
عايز أفتكر… أرجوكي!
نيارا )تخطو نحوه، وصوتها ينخفض( :
هتفتكر. لما تعدي آخر مرحلة… وتنقذها.
قُصي )يقترب منها، والرجفة في صوته(:
ارجوكم سيبونا ف حالنا بقا
نيارا )نظرتها تصبح حزينة للحظة(:
مش حابب تعرف اتجوزتوا إزاي؟
قُصي )يكاد يصرخ(:
ريحيني!
ابتسمت تلك الابتسامة الغامضة التي كان يراها دومًا في كوابيسه، ثم همست:
نيارا:
حاضر يا قُصي… حاضر.
وما إن أنهت جملتها، حتى اختفى ضوءها تدريجيًا، وانسابت كالدخان في هواء الغرفة… تاركة قُصي وحيدًا
بين الصدمة والخوف.
…….
الفصل الاخير
في غرفة ليان، فتحت عينيها على ملامحه الهادئة وهو نائم بجانبها. ظلت تتأمله بصمت، وابتسامة حالمة تلونت
على شفتيها. بحركة خفيفة، مررت أصابعها على وجهه برقة، وكأنها تتحسس ملامحه للمرة الأولى.
حين وصلت إلى شفتيه، ترددت، ثم سحبت يدها بسرعة وقد غمرها الخجل.
لكن فجأة، قبض على يدها بقوة، وفتح عينيه ببطء. خفضت وجهها بخجل، وأرخت رأسها على صدره.
طبع قبلة دافئة على جبهتها، ثم هم بالكلام، لكن …
اهتز السرير بعنف مفاجئ، حتى ارتج المكان، وارتفع صراخ ليان المرتعب وهي تتشبث به.
صرخ قصي محاولًا احتواءها، لكن جسده جُمد حين شعر بظل ثقيل يقترب.
ظلال سوداء، كأنها دخان، تجسدت بجانب السرير… كان هناك شخص، لا… روح، تحمل سكينًا لامعة، تتقدم
نحو ليان وعينيها تحدقان فيها بلا رحمة
قصي )بانفعال(: “فااااااارس!! لااااااااا!!”
حاول التحرك، لكن جسده لم يطاوعه.
في أقل من ثانية، وضعت الروح السكين على رقبة ليان، ثم اختفت…
وضعت ليان يدها على رقبتها ببطء، لتتفاجأ بلطخة دم تسيل من بين أصابعها .
أمسك قصي رقبة ليان المرتجفة، عيناه تائهتان في وجهها الباهت، وصوته مكسور، يتوسل برجاء موجوع:
قصي:
“لا يا ليان فوقي… بالله عليكي فوقي… دي روح، هتأذيكي ازاي! مش هسمح بكده!
يا نيارا… ماتسيبنيش، أنا بحبك، والله العظيم بحبك! عشان خاطري، بلاش… لا يا نياراااا، لا! والله بحبك،
أبوس إيديكي! نيااارااااا!!”
وفجأة، كأن الزمن توقف…
جسده تجمد، وعقله غاص في صور مبعثرة، مؤلمة…
رأى نفسه وهو يضرب، ويهين، ويذل، ويخون.
ثم لمح المشهد الأشد قسوة…
يداه ملطختان بدم نيارا… وهو يقف، مذهولًا من جريمته القديمة.
نظر إلى ليان، يراها تختنق بين ذراعيه، وشهق:
قصي:
“لا… نيارا ! أنا آسف … سامحيني بالله عليكي … ارجعي! ارجعي ليا
ثم…
وسط ظلام الغرفة، انبعث نور خافت من الزاوية…
بنت كانت واقفة، بتضحك بهدوء
قصي )بصوت مرتعش(:
نيارا؟ أنتي اللي هتقدري تشفيها، اعملي كدا دمها هيغرق السرير مش هقدى اعيش من غيرها دي حياتي
وروحي انا مش موافق ع اللي حصل زمان والله م ليا يد فيه
نيارا اقتربت بخطوات رقيقة، لمست موضع الدم في رقبة ليان بأناملها… لكن قبل ما تلمسه، ظهرت يد من
العدم ومنعتها.
نظرت نيارا بدهشة…
لتجد روح فارس واقف أمامها، عيونه حزينة، ساكنة، مشبعة بالندم…
وقف فارس متأملاً، وحزنه واضح على وجهه وهو يقول بهدوء :
“مش دورك تساعديها؟”
نظرت إليه نيارا بعينين تملؤهما الدموع، تحاول إقناعه:
: “إزاي؟! أنا مش هقدر أشوف نفسي بموت ومساعدهاش… شوف حالة قصي؟.”
قال فارس وهو يحدق في الأرض، وكأن أفكاره تئن تحت ثقلها:
“لما بشوفه بحس إن دي مشاعري اللي كانت مكبوتة فيا زمان ومقدرتش اطلعها”
اقتربت نيارا منه وأمسكت يده بإصرا ر:
“بس قصي هيحبها، سيبني أحاول.”
رفع فارس رأسه ونظ ر إليها بحزم :
: “إنتي كده هتبوظي كل اللي إحنا عملناه، مش هتعرفي تتقذيها.”
ضغطت نيارا على يده بشدة وهي تتوسل:
“ما تيأسنيش… وسيبني أحاول.”
حاولت فعلاً، لكن لم تستطع، فتراجعت وهي تعلو عينيها علامات الألم.
وقف قصي متردداً، ثم قال بغضب:
: “وبعدين؟”
اقترب من فارس فجأة وحاول أن يخنقه، لكن يده مرت من بين أصابعه كأنها غير مرئية.
ضحك فارس بسخرية:
“عايز تضربني؟”
رد قصي بوجه متعب وغاضب :
“نفسي أخنقك… أنت اللي مسكت الس\كينة وق\تلتها.”
انخفض رأس فارس وكأن ثقل الذنب يثقل قلبه، ثم قال:
“هي ما ماتتش، هي محبوسة بين الماضي والحاضر. وبعدين، إنت اللي شوفته دخان اسود دا مكنش انا
سأل قصي بدهشة :
“أومال كان مين؟”
أجابت نيارا بهدوء وثقة:
نيارا: “طاقة السحر الأسود.”
نظرفارس إلى نيارا بعتاب:
“إنتي كنتي عارفة؟
هزت نيارا رأسها وأجابت:
“عرفت قبل ما أنت تقتلني بحوالي ساعة.”
سأل قصي بقلق “طيب السحر ده هيتفك إزاي؟”
رد فارس وهو يشجع قصي:
“أنت الوحيد اللي هتعرف تعمل ده… . أنت أقوى مني… روح وأنقذها عشان ليان ترجعلك.”
تنهد قصي ببطء، ثم شعر بدوخة غريبة، كأنه يغوص داخل بئر الزمن.
….

