حين تخزلني عيناك

بقلم هاجر عبد الحليم

“عودة الأصل”
كانت آخر لمسة في المعبد مثل همسة وداع.
قصي نظر في عيون ليان، لكن مكانها كأن ينظر إلي نيارا.
وجهه فارس، ونبضه كأنه بيعزف لحن قديم منسي.
في هذه اللحظه الأرواح تركت أجسادها،
وحان موعد الرجوع لأصلها،
وانقسمت الحقيقة
….
1960
“الغفران الأخير”
شهق “فارس” بعنف.
دموعه انفجرت دون إذن، صرخة مكتومة حبست في صدره، وجسده يرتعش بشراسة.
عيناه تنقلتا بذعر، يبحث عن شيء… عن نفسه!
قام يركض نحو المرآة،
شد قميصه بعنف، مزقه،
فلم يجد شيئًا…
لم يكن هناك وشم! لا علامة!
فانفجر بالبكاء، صوته علا، ارتجف في كيانه،
ثم فجأة، رآه…
رأى “قصي” يبتسم له من داخل المرآة.
اقترب فارس منها، مد يده يلمس صورته،
لكنها اختفت…
كأنها لم تكن!
رن الهاتف فجأة،
جري نحوه، أجاب وهو يلهث.
– فارس: ألو؟
– محمود )بخبث(: إييي يا عم، تعالَ بسرعة، جهزتلك كل حاجة .
لقيتلك مكان جامد موت، اتعذبت لحد ما جبته، بس هعملهولك بطريقة هتعجبك.
– فارس )ببرود غريب(: مش هعمله.
– محمود: إيه الهزا ر ده؟ أنا مزبط الدنيا، ودافع دم قلبي.
– فارس: طُز! مش فارق معايا.
بقولك مش هروح، واسمع مني… النهاية.
رقمي دا تنساه خالص، سامع؟ مش عايز أعرفك تاني.
– محمود: الله الله، هو حد دسلك على طرف؟
– فارس: انساني يا محمود، وصف ي قلبك من ناحيتي، وبلاش تأذي حد.
قرب من ربنا.
– محمود )ساخرًا(: إيه يابني؟ إنت جرالك إيه؟ بقيت إرهابي ولا إيه؟
– فارس: آه…
وكلمة كمان، وهجيلك اقتلك.
سامعني؟
ابعد عني.
ونصيحة أخيرة:
أي اتفاق حصل مني مع ولاد الحرام دول… اعتبره لاغي.
أنا مش هشرب،
ولا هتاجرف البراشيم دي تاني،
ولا هكون سبب ف موت حد.
وحاجة كمان…
إنت حلو لنفسك… وحش لنفسك.
أنا هغير الخط والعنوان،
وهسافر برةالبلد دي خالص…
وهبدأ حياة جديدة… وبشرف.
سلام.
أغلق الهاتف.
أخذ نفسًا عميقًا.
دار حول نفسه كأن روحه تبحث عن مأوى.
صور”قصي” و”ليان” تتقافز في ذهنه،
كأنها جزء منه… كأنه عاشها!
قلبه يدق بعنف.
عرق يتصبب.
قَبض على يده كأنه يمنع نفسه من الانهيار
ركض نحو مكان المخدرات.
فتح الدرج، أمسك كل شيء…
وأشعل النار
جلس يبكي أمامها، كأن كل سيئة تذوب مع اللهب.
دخل الحمام.
فتح الماء البارد،
رشه على وجهه بشراسة،
لكن الذكريات تأبى الرحيل.
توضأ .
رجلاه بالكاد تحملانه.
خرج للصالة… سقط أرضًا،
وسجد.
سجد لله،
يبكي…
وصدى بكائه كان كأنه يهز جدران البيت،
ويحرك الكون.
ثم فجأة…
سمع صوتًا مألوفًا،
يناديه بخوف… بحنان.
– نيارا )من بعيد(: فااااارس !
رفع عينيه،
ورآها…
نيارا، بكل ملامح الحب والخوف.
– فارس )بهمس خافت، من قلبه(: نيارا…
….
ركضت “نيارا” إليه بخوف،
وجلست على الأرض بجواره،
وضمت وجهه بين كف يها برفق،
ثم أمالت رأسها حتى لامست جبهته…
كأن ها تحاول تهدئة العاصفة التي هبت بداخله.
نيارا )بهمس دامع(:
– كل وجع شوفناه، أرواحنا…
الجزء الصافي اللي جوانا… هو اللي مسحه .
رفع “فارس” عينيه إليها، وكأن ه طفل ضائع وجد حضنه الدافئ أخيرًا،
وصوته خرج ضعيفًا، مُحملًا بالخذلان والحنين:
فارس:
– رجعتي ليه؟
ابتسمت “نيارا”، ابتسامة كلها يقين،
ونظرت له نظرة حُب لا يتخللها تر دد:
نيارا:
– أنا كنت جمبك يا فارس…
مفيش حاجة اسمها “رجعت ليه”،
دا قد ر ربنا،
وأرواحنا… أرواحنا متعلقة ببعض،
ومتقدرش تعيش من غير بعض.
هز رأسه، وعيونه شاخصة كمن رأى معجزة،
وهمس بصوت يكاد يُسمع:
فارس:
– قصي يا نيارا…
قصي هو اللي نجاني…
تصوري ؟
لكنها لم ترد،
بل وضعت إصبعها على شفتيه برقة:
نيارا:
– هشش…
حبهم سكن جوانا،
وهم السبب إننا لسه عايشين،
وإننا دلوقتي مع بعض …
هما اللي إدونا الإشارة إننا نبدأ من جديد.
أرواحنا كانت بتنده،
وآن الأوان إننا نفهم الدرس.
انحنى “فارس” وقب ل جبينها بحنان:
فارس:
– بعشقك يا نيارا…
بحبك أوي …
أوعي تبعدي عني تاني،
أرجوكي.
نظرت إليه بنظرة مملوءة بعزم ناعم:
نيارا:
– بس ليا عندك طلب.
ابتسم بشغف وكأنه طفل أمام أمنية:
فارس:
– خدي عيني.
تنهدت وقالت:
نيارا:
– نروح نعمل عمرة،
نغسل روحنا من كل اللي حصل ده…
ونبدأ من هناك.
نظر إليها بامتنان،
وقب ل جبينها مرة أخرى… بحب خالص:
فارس:
– حاضر يا نيارا.
…
سافر “فارس” و”نيارا” بعد أيام،
أحسا أ ن قلبيهما لم يعودا يحتملان أكثر،
وأن التطهير الحقيقي لا يكون إلا هناك…
حيث تنسكب الدموع دون خجل،
وحيث تذوب الذنوب في الطواف،
وتنبت الأرواح من جديد.
وقفا أمام الكعبة،
قلوبهما ترتعش،
وأعينهما تمتلئ بالدموع ،
وكأنهما شاهدا النو ر لأول مرة في حياتهما.
نيارا )بصوت مرتجف وهي تهمس له(:
– شوفت؟
شوفت الجمال؟
دا إحنا ولا حاجة جنب الرحمة دي…
كل حاجة كنت شايلها جوايا… سبتها هنا خلاص
فارس )صوته مبحوح ودموعه تلمع(:
– وأنا كمان،
أنا كأني بقيت بني آدم تاني…
كأني إتولدت من جديد،
بس المرة دي، في حضنك، وإيدي في إيدك.
مد يده لها،
فأمسكت بها بقوة كأنها لا تريد أن تتركه أبدًا،
ومع كل خطوة في الطواف،
كانت دموعهما تنزل بصمت…
لا بكاء على ما مضى،
بل شكر على النجاة،
وشوق لبداية بيضاء ،
بلا قيد، بلا ظلمة، بلا ألم.
نيارا )وهي تضع رأسها على كتفه بعد الانتهاء من الطواف(:
– قصي وليان روحنا الغايبة وهما السبب ف البداية دي
فارس )ابتسم وض مها(:
– وإحنا هنعيش…
لأجلهم…
ولأجلنا…
ولأجل ربنا اللي من علينا بفرصة تانية.
سكتا…
ورفعا أيديهما للدعاء،
وفي تلك اللحظة…
لم يكن هناك غير صوت الأذان،
ودقات قلوب تطهرت،
وأرواح عادت…
للنور.
…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *