حين تخزلني عيناك
بقلم هاجر عبد الحليم

شعر قصي بحرارة غريبة تشتعل في صدره، كأن نارًا انطلقت من أعماقه تحاول أن تفتك به. ارتعش جسده،
وخطواته بدأت تتمايل بعصبية. خلع قميصه كأن النسيج يؤلمه، وصرخة مدوية خرجت منه دون وعي.
دخلت نيارا فجأة، نظراتها تحمل مزيجًا من القلق والوعي التام بما يحدث
نيارا )بقلق(:
“مالك؟ فيك إيه؟
قصي )وهو يلهث، وعيناه تلمعان بجنون( :
“إنتي عارفة مالي…اي فاكرة نفسك جاهلة ومعندكيش وعي باللي بيحصل؟
اقتربت منه، وضعت يدها برفق على صدره، حيث تتوهج الحرقة.
نيارا )بصوت مرتعش(:
“أنا مش عارفة أساعدك… بس واضح إنك ابتديت تحس باللي جواه لأنك ببساطة… هو.”
قصي )بحدة(:
“أنا مش هو قولتلك مليون الف مرة كدا ! اللي حبيتيه انسان مغفل هو حبه ضعيف بس انا بحبها… ووجعها
جوه قلبي! أنا سامع صوتها، حاسس بيها! وديني عندها… دلوقتي!”
نيارا )بعينين دامعتين(:
“مش بإيدي… اللي يخش اللوحة، يعيشها… يحسها… يفضل جزء منها. والليان اللي دخلت، واجهت روح
فارس، وانت… بقيت امتداد ليه، حتى لو أنضف… حتى لو قلبك لسه بيحب بس خد بالك فارس يستحق فرصة
تانية بجد وإلا انت مكنتش موجود دلوقت.”
سكت قصي، صدره يعلو ويهبط بسرعة. ارتبك، وتاهت نظراته في الفراغ من حوله.
قصي )بهمس موجوع(:
“بس أنا بحبها… ونفسي أفهم… الصوت اللي جوايا دا… ليان ولا انتي؟ اتحشروا جوايا أنا بتقطع نصين
يانيارا
لم تجبه نيارا، بل رمقته بنظرة مؤلمة… ثم اختفت، كأنها لم تكن .
أخذ قصي يركض في الغرفة بجنون، يصرخ كأن صوته يمكنه أن يخترق الجدران، أن يصل إليها، أن يوقظها
من الظلمة.
قصي )بصرخة ألم(:
“ليان!!”
لكن لم يكن هناك رد… فقط صدى صوته، يتردد في الفراغ، كأنه ينادي من داخل كهف مغلق
وفجأة، خفتت الأنفاس، وسكن المكان كأن الزمن توقف.
برد مفاجئ لفح جسد قصي بعد لحظات من الحرارة الحارقة، عيناه تجمدتا على اللوحة المعلقة على الجدار…
نفس اللوحة اللي كانت دايمًا هناك، لكنه أول مرة يشوف تفاصيلها بالشكل دا .
قصي )بهمس مذهول(:
“انا اقوي من الحيرة دي لو فعلا انا فارس اللوحة لازم تخضعلي لازم تسمع كلامي
اقترب ببطء، كل ما يقرب، اللوحة تتغير… الألوان تتحرك… الصور تتنفس… وصوت بعيد بدأ يهمس في
ودنه
الصوت:
“رجعلي حقي احميني من نفسك يافارس انا نيارا حبيبتك خلصني انت لسة جواك نضيف
لسة حبك واعي ليا!”
ارتجف جسده، وصدره ضرب بعنف.
مد إيده… لمس طرف الإطار…
وفجاه
كل شيء حوالينه اختفى.
ضوء أبيض ساطع غمره، وصوت صفير عالي شق أذنه… وبعدها، سكون. غمض عينه ثم فتحها
وفجأة، وجد قصي نفسه داخل قصر غريب، جدرانه تنبض بعتمة مألوفة، وسكونه يئن من الذكريات. خطواته
كانت بطيئة، مرتجفة، وكل خطوة تقربه من شيء لم يكن مستعدًا لمواجهته… أو ربما، كان ينتظر هذه
المواجهة منذ زمن.
وفجأة، دوَّت في الأرجاء ضحكات رجُل… ضحكات مشبعة بالشهوة والشر، كأنها تأتي من جوف الليل . التفت
قصي سريعًا، لتقع عيناه على مرآة ضخمة تتوسط القاعة، لكن ما رآه لم يكن انعكاسه.
بل كان فارس.
نفس الملامح… نفس الجسد… لكنه مختلف، يحمل في عينيه سوادًا كثيفًا. سيجارة مشتعلة في يد، وزجاجة
خمر في الأخرى. ابتسم ابتسامة ملتوية، وقال بصوت ساخر تقيل:
فارس:
“اتأخرت أوي يا نُسخة يا نقية. فاكر نفسك قوي؟ ها؟!
هتقد ر تغير الزمن؟!
قادر تغير نفسك اللي كلها فُقر وظلمة وشهوات؟
اقترب من المرآة، ومد السيجارة ناحية قصي.
فارس:
“شايف دي؟ نفس النوع اللي إنت كنت بتشربه… مش كدا؟”
قصي )بهدوء ثابت(:
“كنت…
ودلوقتي بطلتها. ”
فارس )بضحكة خبيثة(:
“عشانها، مش كدا؟”
قصي )نظرة عنيدة في عينه(:
“عشان هي تستاهل مني أبقى نضيف…
فارس )بصرخة مفاجئة، صوته مليان ألم(:
“هتأذيها
كلنا فينا نفس الوَجع… نفس السواد… ومهما هربت، هو جواك!”
قصي )بحدة وإصرا ر(:
“لا يا فارس، مش هأذيها…
أنا ما بخونش اللي بحبها،
ما بضربش،
ما بهينش،
ما بذلش اللي حطت قلبها في إيدي…
أنا مش إنت!”
فارس )بصوت خافت، متردد لأول مرة(:
“أثبتلي …
لو بتحبها بجد،
دخلني جواك…
عيش إحساسي…
خد وجعي…
من غير كدا، عمرها ما هتخرج من هنا!”
قصي )بتنهيدة ثقيلة( :
“هو إيه اللي حصل اليوم دا يا فارس وكفايا بجد؟
إنت عملت فيها إيه؟!”
عند تلك اللحظة، دق قلب فارس بعنف… نظراته اتكسرت، والمرآة ارتجت كأنها على وشك الانهيار
وفجأة…
دخل فارس إلى جسد قصي،
واتحد الماضي بالحاضر
جسد واحد… وروحين .
اللي اتنين بقوا كيانات متشابكة، تتصارع جوا جسد واحد… صراع الحقيقة والندم.
وقد حان وقت الاختبار الأخير…
هل سيعيد قصي كتابة النهاية؟
أم سيظل الماضي يسكنه… ويقيده؟
…..