حين تخزلني عيناك
بقلم هاجر عبد الحليم

فتح قصي عينيه فجأة، وجد نفسه واقعًا على صخرة باردة ف قد حرر نفسه من الماضي واخيرا لمس يد ليان
بقوة تشده، فجلسا معًا على الأرض وهما يلهثان بشدة. كان الصمت يحيط بهما، سوى أن أنفاسهما المتقطعة
كانت تملأ المكان، وكل منهما يحاول استجماع قوته.
قال قصي وهو يحاول تهدئة نفسه:
»؟ حسيتي باللي شفته «
ردت ليان، وصوتها يرتجف قليلًا :
». أيوة، لأني كنت معاك «
ابتسم قصي بخفة رغم التعب، وقال:
» ؟ يعني عديناها «
أومأت ليان برأسها بثقة:
». أيوة، شكلها كده «
مد قصي يده ليأخذ يدها وقال:
». طيب، كويس. تعالي معايا «
أردت ليان أن تأخذ نفسًا عميقًا قبل النهوض، فقالت:
». استنى يا قصي، عايزة أخد نفسي «
أجابه بحزم :
». مفيش وقت، ممكن يحصل حاجة تانية. إحنا مش ضامنين حاجة . المهم نروح نشوف حوار الجوا ز ده «
نظرت له وقالت:
» . صح، يلا بينا «
وقاما معًا، خطواتهما تلامس الأرض بثقة، متجهين إلى شقة قصي حيث تبدأ الحقيقة في الظهور
..
دخلوا إلى البيت وجلسوا يبحثون في كل زاوية، والقلق يملأ قلوبهم. فتحت ليان الدرج، وفجأة وجدت عقد
الزواج القديم. ارتكزت على الكرسي من شدة الدهشة، ونادت على قصي.
جرى قصي نحوها، وأخذ الورق بين يديه، وبدأ يقرأه بتمعن. قال :
“ايوه، دا عقد الجواز وخطي موجود لكن ازاي ”
نظرت ليان له بدهشة وقالت:
“يبقى أكيد الجواب عند فارس ونيارا. لازم نضع حد ليهم بجد معدتش قادرة”
رد قصي بحزم:
“الحكاية خلصت ياليان خلصت.”
…
وقف قُصي أمام الباب، يده على المقبض، لكن صوته الداخلي لم يمنحه القدرة على الرحيل بسهولة.
استدار ببطء حين سمع صوتها خلفه، نابعًا من قلب يرتجف .
ليان )بهمس مرتبك وهي تضم ذراعيها إلى صدرها، كأنها تحمي نفسها من فراغ موحش(:
ليه عايز تمشي؟
تنهد قُصي، نظر إليها بعينين يغلب عليهما الحزن، وكأن قلبه مشدود بين الرحيل والبقاء.
قُصي )منخفض الصوت، يشيح ببصره بعيدًا عنها(:
علشان لازم … مش هتكوني مرتاحة.
خطت نحوه خطوة صغيرة، وكأن المسافة بينهما تعني لها الحياة.
ليان )بعينين ممتلئتين بالتو سل(:
لا، خليك… بات معايا.
تردد، تنقل ببصره بين وجهها والباب، ثم قال بصوت يشوبه الصراع:
قُصي:
والناس؟
هزت رأسها ببطء، نظرتها مستقيمة، وصوتها ثابت:
ليان:
مش بنعمل حاجة غلط.
اقترب منها خطوة، وكأنه يصارع خوفًا دفينًا بداخله.
قُصي )بصوت حاني فيه رجاء(:
بس مش عايز حد يقول كلمة عليكي… مش هيسكتوا لما يشوفوا شاب بايت عندك… وانتي سمعتك غالية
عندي.
ارتعشت شفتاها، لكنها رفعت رأسها بثقة.
ليان:
بس إنت جوزي يا قُصي.
تجمد للحظة، حدق في عينيها، كأن الزمن توقف.
قُصي )بصوت أقرب للدهشة(:
معترفة بده يا ليان؟
ابتسمت بخجل، وأطرقت برأسها قليلًا .
ليان:
طبعًا… يمكن مخضوضة شوية، بس إحساس الأمان اللي بيكون جوايا وأنا جنبك… مخليني أتقبل كل حاجة
عن طيب خاطر.
اقترب منها أكثر، ورفع يده برفق، طبع قبلة على رأسها بكل حب وصمت عميق.
قُصي )بهمس(:
صدقيني، كده أحسن .
لكنها أمسكت بكم قميصه، نظرتها تستجديه.
ليان )بصوت مبحوح(:
قُصي…
قُصي )بحنان(:
نعم؟
ليان:
بالله عليك، بات معايا… أنا خايفة.
عقد حاجبيه، اقترب منها حتى صار أمامها مباشرة، ثم م د يده ليمسح دموعها التي انسابت بصمت.
قُصي )بصوت منخفض( :
ليه الدموع؟
أجفلت، كأن السؤال وخز قلبها.
ليان )بكسر واضح(:
علشان … مش عارفة هما عايزين مننا إيه يا قُصي؟
لم يرد. حملها فجأة بين ذراعيه، كأنها شيء ثمين يخاف عليه من الضياع، وسا ر بها نحو السرير.
أنزلها برفق على الفراش، وجثا بجانبها.
ليان )بهمس مرتجف(:
خدني في حضنك يا قُصي…
ضمها إليه، وأراح رأسها على صدره، ثم بدأ يمرر أصابعه على شعرها بتكرا ر حنون، وكأن كل لمسة منه
تطمئنها وتربت على قلبها.
وبين ذراعيه… ناما بسلام.
…