أنت عمري ج٤
بقلم أمل مصطفى

كان صوت أجهزة التنفس و الإشعارات في الداخل يختلط مع خفقات قلبه، وكلما مضت دقيقة، انحنى ظهره أكثر، و كأن الانتظار سلبه قوته.
جلس الجد المنشاوي الكبير في زاوية الغرفة، ساكنًا بصمته، يُسبّح بهدوء، ويداه تمسكان بمسبحته التي لم تفارقه يومًا،
لكن ملامح وجهه كانت مختلفة… فيها رجاء وخوف، وفيها لهفة لا تليق إلا بأب يخشى على قلب حفيدته التي لم ينجبها.
وفجأة… فتح الباب.
خرجت الممرضة وهي تبتسم، ثم قالت بنبرة هادئة:
– مبروك، المدام ولدت توأم… ولد وبنت، الأم بخير، بس محتاجة راحة.
ما إن نطقت حتى اندفع فهد واقفًا، ارتج جسده بالكامل، و تقدّم خطوتين لا يدري بعدها أيتكلم أم ينهار.
نزلت دمعة حارة على وجنته، أول دمعة تخرج من حصنه الذي ظل سنوات مشيدًا على الخوف والصبر.
ركضت عشق نحو الممرضة تسأل عن ماسة، بينما صفاء
احتضنت فهد وهي تبكي فرحًا:
– ألف حمد وشكر ليك يا رب… ألف حمد وشكر!
—
دقائق قليلة مرت قبل أن تُفتح أبواب غرفة الإفاقة، و تُدفع ماسة على سريرها ببطء نحو الغرفة الخاصة.
كانت مرهقة، ووجهها شاحب، لكن ابتسامتها الخافتة عند رؤية فهد وهو يركض نحوها كانت كافية لبعث الحياة في المكان.
انحنى عليها، أمسك يدها، ووضع جبينه فوقها، كأن روحه استعادت مكانها.
– ولد وبنت يا ماسة… والله نورتي الدنيا.
هزت رأسها ببسمة مرهقة، ثم أغمضت عينيها مطمئنة، فقد عاد قلبها إليها على هيئة فهد وصوته.
—
دخل الجميع الغرفة بهدوء، و احدًا تلو الآخر، ومع كل شخص دخل، امتلأت الغرفة بدفء جديد.
ثم دخل الجد المنشاوي الكبير، يتقدم خطواته بثقل سنين، لكنه كان يحمل بين يديه شيئًا مختلفًا… دعاء الأجداد.
اقترب من الحاضنة التي وُضع فيها الطفلان، مد يده بثبات، ورفع الطفل الأول – الولد – بين يديه، ثم همس في أذنه:
– الله أكبر… الله أكبر.
أذّن له كما فعل لابنه من قبل، وكما يأمل أن يُفعل له يوم رحيله. ثم أذّن للبنت، و قبّل جبينها.
جلس بعدها على الكرسي، يضم الطفلين على صدره، و تغمره دموع الرجولة الصامتة:
– أولاد فهد… أولاد المنشاوي.
—
خرج بعدها إلى الجميع وقال بصوته الحاسم:
– عشر عجول، العقيقة تكون في ساحة الدار الكبير، يتوزع لحمها على الغريب قبل القريب… عائلة المنشاوي استقبلت النور.
ضحك الجميع، وبكت صفاء، و احتضنت ابنتها ماسة وهي تقول:

