عازف بنيران قلبي ج1
بقلم سيلا وليد

أومأ برأسه وتحدث بابتسامةٍ حنونة:
-اعملي اللي إنتي شايفاه صح ياأم ليلى.. ربنا يباركلي فيك يارب..
في شركة البنداري:
بعد مرور أكثر من ثلاث ساعات في غرفة الاجتماعات، بوجودِ جميع المساهمين..
وقف سليم أمام شاشة العرض الكبيرة وتحدث بعملية:
– طبعا آخر صفقة أخدناها حققت أرباح هايلة…وزي ماكلُّكم عارفين المشروع الجديد محتاج مننا أفكار جديدة… للمدن الحديثة اللي صممناها وطلعت بالمستوى الممتاز..
اتَّجه بنظره لشاشة العرض وتحدث بإبانة:
– نيجي مثلا لمدينة ( ) دا تصميمها أكتر من رائع والحمدلله يعتبر خلَّصنا حجز جميع الوحدات بيها..
دلوقتي محتاجين بس نصمِّم ديكورات جديدة لبعض القرى المحيطة بالمدينة دي..
أنا جمعت أفضل المهندسين اللي موجودين عندنا…وكلِّ واحد هيعرض فكرته وبناءً عليه هتختاروا فكرة واحد فيهم…ونبدأ نكمِّل فيها… علشان في الإعلان الأخير عن المدينة نذكر كل المواصفات الداخلية والخارجية..وبكدا هنكون حققنا أفضل مكسب.
أومأ والده وعمِّه خالد وبعض المساهمين من خارج العائلة بالموافقة،
اتَّجه كل مهندس بعرض فكرته للمنتجع الذي أقامته الشركة من مدن جديدة يحاصرها قري سياحية بإحدى المحافظات المطلة على البحر…وضَّح ثلاث مهندسين أفكارهم..فيما رفع سليم نظره لليلى لتوضِّح فكرة تصميمها،
نهضت ليلى للشاشة وهي ترتدي بدلةً نسائيةً سوداءَ اللون وحجابًا باللون الوردي…فظهرت بطلَّتها الخاطفة للقلوب..رآها يونس الذي قام بالتصفير المنخفض:
– أيوة هو إنتي…مرحبًا أيتها القطة الشرسة..وأنا بقول شوفتك فين أتاريكي في أحضان البندارية..
رمقه الذي يجلس بمقابلته بنظرةٍ أخرسته،
اتجه ينظر بتمعنٍ لتلك التي تقف بثقةٍ أمام شاشة العرض مع بعض الرسومات التي قامت بتصميمها بدقةٍ عالية؛ لتخرج بأجمل صورة وبدأت الشرح بطريقةٍ عمليةٍ وجذابةٍ للاستماع لوجهة نظرها..أمال برأسهِ لسليم:
– دي مهندسة جديدة ياسليم ولَّا بقالها فترة هنا؟..
نظر إليه بصدمة:
– راكان بيتكلِّم عن واحدة معقول تكون عجبتك…طيب الأهبل دا وعارفينه..
احتدت نظراته ثم رجع بنظراته إليها:
-أنا بسأل ياغبي علشان وقفتها: دي وقفة واحدة مخضرمة بعملها مش علشان ملفته ولاحاجة…أهي زيها زي أيِّ بنت مفيش حاجه تميزها..
رفع يونس حاجبه ساخرًا:
– فعلًا إنتَ هتقولي…فعلًا مفيش حاجة تميزها غير جمالها الهادي الملفت ولَّا صوتها الكرواني..
وقف يونس متجهًا إليها…يرمقها بنظرةٍ سريعةٍ واتجه بجوارها ينظر للجميع:
– أنا شايف إنِّ التصميم دا أحسن واحد… وبدأ يشرح وجهة نظره ببعض النقاط الخاصة… وختم حديثه:
– طبعًا أنا مش مهندس ولا أفهم بشغلكم زيكم بس لو هنيجي نقارن هنشوف دا مثلًا..
أكمل راكان حديث يونس وهو يرمقه بتحذير:
– أنا مع يونس..ثم وزَّع نظراته للجميع وهو جالسًا بمكانه:
وبدأ يشرح بدقة وجهات الاختلاف بين التصاميم الأربع…اعتمادًا على دقته بوظيفته بأدقِّ التفاصيل،
قاطعته نورسين ابنة أحدِ الشركاء:
– بس أنا أختلف معاك ياراكان وزي ماإنتَ قولت إنَّك مش مهندس…أنا كعملي بقول إنِّ تصميم عامر أحلى…دا تحسه Simple أوي والطبقات الراقية عايزة حاجات تانية…ولا إيه ياعمو أسعد؟..
اتجه أسعد بنظراته لراكان الذي يجلس بهدوئه وكأنه يعلم بإجابة والده:
-أنا مع راكان ثم توجَّه لسليم،
وبما إنك المسؤول ياسليم مقولتش رأيك؟…وقف سليم متجهًا إليهما
وبدأ يشرح وجهة نظره هو كذلك… وافقه عمُّه خالد ومعظم الموجودين سوى نورسين التي نظرت لليلى بحقد على إشادة الجميع بعملها..
اتَّسعت ابتسامتها لإعجابهم بتصميماتها…
رفعت بصرها لراكان فتلاقت أعينهما سريعًا، فشرد للحظات يتأمَّلُ حدقيتها الواسعة..ولكن ذهب بشروده لأمواج بحره الذي غُدر قبل الوصول لشاطئه… استفاق سريعًا عندما استمع لبعض المناقشات حول التصاميم الهندسية الأخرى..
اتجهت ليلى لتجلس بمكانها،
أومأت بنظرها إليه تشكره على رأيه:
– شكراً لحضرتك..
هزَّ رأسه وهو يطالع بعض الأوراق بيديه، وتحدث بصوتٍ رصينٍ ولم يلتفت إليها:
– مفيش داعي للشكر..إنتي عملتي شغلك كويس، فإحنا وافقنا على أجمل تصميم،
ثمَّ رفع بصره وحدَّق بمقلتيها:
-كان الأفضل تتأسفي مش تشكريني ياحضرة المهندسة..
تصاعد الغضب بداخلها فتحركت تجلس بجوار زميلتها والغيظ يتآكل داخلها؛ فطالعته مرةً أخرى وهو جالسًا وكأنَّ مايدور حوله لايعنيه فأردفت:
– عامل زي الطاووس دايماً فعلًا واحد مغرور..
اتجه سليم على الطاولة التي توجد بها المخطوطات..بعد خروج المشاركون إلا من بعض المهندسين المسؤلين عن العمل..
أشار سليم إليهم جميعًا للتوجه للطاولة،
وقف سليم بجوارها ونوح الذي اتجه لمكان تواجدهم على التخطيط الهندسي..
عقد نوح حاجبيه وهو ينظر إليهم وهم يتحدَّثون عن التصاميم الموجودةِ أمامهم ..فجلس أمام راكان وهو يرمقهم:
– أنا ماليش في شغل الهندسة ياراكي.. تحسِّ أنه معقَّد سبحان الله ماليش غير في الذوق الجميل.
استدار راكان وأجابه:
-بالعكس يانوح الهندسة حلوة وعملية جدًا..وكل ماتتعمَّق فيها تحبها أكتر، ربنا يسامحه اللي كان السبب، ذهبت ذاكرته لذاك اليوم..
(فلاش باك)
ضمَّته زينب بحبٍّ ودموعها تتساقط عبر وجنتيها:
– ألف مبروك ياحبيبي..مش عارفة أوصلك فرحتي إزاي يابني، ربنا يوفقك ويسعدك دايمًا ياراكان زي ماأسعدتني بنتيجة النهاردة وتكون الأول على دفعتك، الفرحة مش سيعاني..وخصوصًا إنك هتحقَّق هدفك وتدخل الكلية اللي بتحلم بيها..مش كدا ياباشمهندس،
اتجه توفيق بنظرةٍ باردةٍ إليه:
– جهَّز نفسك بقى علشان تدخل هندسة..وتتعلم كويس وسيبك من أحضان زينب اللي مش هتاخد منها غير الضعف، ثم صاح بغضبٍ بها:
– ابعدي عن الولد يازينب إنتي نسيتي نفسك ولَّا إيه؟.،متنسيش إنه كبر دلوقتي وبقى راجل..مش طفل علشان تاخديه في حضنك كدا..
بكت زينب بنشيجٍ وشعرت بدوارٍ يضرب رأسها من كلمات توفيق السامة..فأجابته بشفتينِ مرتجفتين:
– أنا ياعمي هعلِّم ابني الضعف؟!!وعايز تحرمني إنِّي أضمه لصدري!!
رمقها بغضبٍ ونهض وهو يطلق لها نظراتٍ نارية:
-إنتي بتردي عليَّا يابنت الحصري ورفع يديه حتى يصفعها، ولكن توقف راكان أمامها وتلقَّى الصفعة مكانها،
توسعت أعين توفيق من فعلة حفيده فصاح بغضب:
– إنتَ عملت إيه ياولد؟. ابتلع ريقه بصعوبةٍ وهو يضمُّ والدته ثم قال بهدوء مفتعل:
– لو شوفتك بتعمل كدا ياجدِّي في أمي وأسكت يبقى ماستهلش أكون ابنها، يبقى أنا واحد جاحد عاصي لبرِّ الوالدين…
نظر بداخل عينيه ولأولِ مرةٍ تمرَّد على جده فتحدث:
– وقبل ماتقول أسطوانتك كلِّ مرة هتفضل أمي نور عيني لأخر لحظة في حياتي…قالها وهو يشدِّد على كل كلمة تخرج من بين شفتيه وكأنَّهُ قاصدًا استفزاز جده..
صفعةٌ أخرى هوت على وجنتيه وصاح بغضب به..صرخت زينب بأعلى صوتها:
– “راكان” رفع عينيهِ إليها بنظراتٍ جحيميةٍ فأخرستها ثم لوَّح بيديه:
– هستنى من تربية زينب إيه غير واحد عديم التربية زيك..هيَّ بنت الحصري بتعرف تربي…رفع سبابته:
-اسمع ياولد متفكرش نفسك علشان خلصت الثانوي هتكون كبرت عليَّا..إنتَ هتعمل اللي هقولو وبس، وإياك تاني توقف قدَّام جدك بعدم إحترام..
هتجهَّز ورقك وتقدِّم في الهندسة ودا أمر من توفيق البنداري وخلي بالك عيني عليك.
وصل أسعد اليهم يوزِّع نظراته بينهم:
– مالكم واقفين كدا ليه؟..رمق راكان جدِّه:
– بابا أنا مش هدخل هندسة…صاعقة أصابت زينب وهي تهزُّ رأسها بالرفض لما نطقه راكان…بعيونٍ مترجية:
– حبيبي متخليش انفعالك يخليك تاخد قرارت تندم عليها طول عمرك وإنتَ بتحلم بالهندسة.
نظر بداخل عين جده وأردف بإصرار:
– كان زمان ياماما دلوقتي لا، قالها بصوتٍ مرتفع..قهقه توفيق بسخريةٍ وأردف:
– ومين اللي هيخليك تعمل كدا ياولد.. دنا من والده ونظر إليه:
– بابا وأنا وغير كدا محدش له سلطة عليا..
نهض توفيق سريعًا يحاول الفتك به ولكن توقَّف أسعد أمام والده:
– بابا لو سمحت حضرتك بتعمل إيه؟.. حضرتك شايف إن راكان طفل علشان تضربه..
– لا متخافش من الحتة دي يابابا لأن جدي قام بالواجب وزيادة..أنا مش هدخل هندسة ودا آخر كلامي..قالها ثم اتجه يقبِّل رأس والدته يطالع ملامحها الحزينة بأسف:
– سامحيني نوع الكلية مش تقييم للإنسان ياماما..تقييم الإنسان بنجاحه اللي بيوصله..قالها ثم تحرك للأعلى..
خرج من ذكرياته وتلألأ الدمع بعينيه، وقف سريعًا متجهًا لشرفة الغرفة وأخرج تبغه ينفثه بدخانِ غضبه الماثل بصدره.
❈-❈-❈
