للهوي رأي آخر ج2
بقلم سارة حسن

كانت تنظر له بصدمة، ثم خرجت من صدمتها قائلة بخفوت:
_ يمكن انت كنت سبب في حاجات كتيرة، لكن ما ينفعش أمسك النار في إيدي وأقول مش هاتحرقني.
ثم ابتعدت عنه شاعرة بالبرودة، وغصة في حلقها، أراحتها بتلك الدمعتين على خديها، مقررة أنهم سيكونوا آخر دمعتين.
للهوى رأي آخر
الرابع والعشرون
فيروز
همس بها قاسم لتلك المثبتة عينيها على الشرفة المغلقة بالألواح الخشبية، فاقترب منها بخطوات بطيئة حتى جلس بجانبها، ورفع يده يلمس كتفها المصاب، شعرت به يقترب منها، رائحته تزداد قربًا وصوت أنفاسه تلفح كتفها، لكنها انتفضت فور ما شعرت بلمسته عليها، نهضت مبتعدة عنه، وعينيها تحذره بقسوة لو فكر في التمادي.
تنهد متفهمًا تفكيرها، لكنه وقف أمامها وقال بصوت جاد:
_ ما بقى في ينفع الهروب مني يا فيروز، خلاص بقيتي مراتي
اتسعت عينيه وبنبرة محذرة هتفت به:
_ أوعي تفكر إنك ممكن تطول حاجة مني برضاي
_ أنا عمري ما هاخد منك حاجة بالغصب
ضحكت بسخرية وهي تعقد يدها أمام صدرها:
_ وانت إيه أخدته مني بالرضا، ده مافيش حاجة واحدة أخدتها مني بالرضا، ده حتى الجواز كان بالغصب
اخفض عينيه لبره، وكأنه في دوامة تفكير عميقة لا يعلم عنها أحد، يعذرها ويقدر ذلك، لكنه يحتاج لباب واحد فقط يدخل إليها منه.
_ أنا ماكنتش عايزنا نوصل لكده، لكن الظروف
صرحت به فجأة:
_ أي ظروف دي اللي سمحتلك تحبسني وتض*ر*بني، ظروف أيه اللي تستخدم جبروتك وأجبرتني أخسر الراجل الوحيد اللي وقف جمبي ووعاملني إني بني آدم وزي بنته وتهددني بيه.
ثم بصوت أقرب إلى الهمس حركت شفتيها قائلة ببكاء:
_ ظروف أيه اللي تخليك تجبرني أتجوزك، أنت كسرتني.
ثم جثت بانهيار وقوة مستنزفة على الأرض، ولم يعد لها حرية الاختيار، ولم تعد لديها رغبة لأي شيء.
لم يملك الجرأة ليقترب منها وملامستها، يعرف نفورها وخوفها، هتف باسمها مجددًا، استمر بكائها العالي المنهار لعدة دقائق حتى باتت أنفاسها قصيرة ومكتومة، وجهها أحمر وشفاهها ككتلة من الدماء وعينيها لم تتوقف عن ذرف الدموع.
استقامت فيروز ببطء بحالتها الفوضوية المهزومة، وقفت قبالته وفردت ذراعيها للأعلى باستسلام، ثم بصوت ليس صوتها وكأنه آتٍ من بعيد قالت:
خلاص، أنا ما بقى فيا حيل، شوية الطاقة اللي كانوا عندي خلصوا، كل اللي فات من عمري كوم واللي الكسرة اللي شوفتها على إيدك أنت كوم تاني
ثم فجأة تعالت ضحكاتها مع دموعها في مشهد يقبض القلب، ابتلع قاسم ريقه بصعوبة ونظرة ملتاعه بعينيه ونغزة قوية بصدرة تأوّه بها بصمت.
هتفت فيروز من بين ضحكاتها: قال وأنا اللي رسمت أحلام وأماني وردية، ده العوض يابت يا فيروز، ده اللي ها يصلح اللي عمله الزمن فيكي، ده اللي ها يعوضك عن غياب اللي راحوا، ده وده وده
ض*ر*بت على جبينها وصدرها شهقة باكية، ثم نظرت إليه وواجهت عينيه التي تنظر إليها يتوسل أن تتوقف.
_ أنت كملت على الفاضل فيا، أنا ما بقى عندي رغبة حتى إني أعيش
احترقت عينيه واضطربت أنفاسه، تحركت خطوة واحدة منها وبصعوبة خرجت الكلمات من شفتي قاسم بخفوت:
هاعوضك عن كل اللي فات