للهوي رأي آخر ج2
بقلم سارة حسن

………………..
بعد مجهود شاق في البحث عنها، دخل موسى الغرفة خالي الوفاض، نظر للمرأة التي كانت تقف أمامها وتأملها في انعكاسها، كانت من اللحظات الجميلة القليلة بينهما دون التفكير في أي حواجز.
لم يكن يدرك أنها لعنة الغرام.
لم يظن أن يعرف الحب يومًا، لكنها سحرته، وعندما كانت تتحداه في أن يقاوم سحرها كان ينظر لها بثقة موسى رشيد.
سحرته بشخصيتها وكبريائها، بعينيها بأغوائها ورقتها، لكنها رحلت، دون أن يفضي كل منهما بكل ما يعتمر قلب الآخر، ويعوضها عن حنان افتقدته يومًا، دون أن يخبرها أن قلبه يعرف أنها لا تشبه كامليا، دون أن يخبرها بسِره وأسبابه، دون أن يخبرها، بأنه وقع بسحرها.
لكن امرأة مثلها لن تنتظر قدومه ليشرح لها ويخبرها عن زواجه وأسبابه، ستندفع بالنمرة المجروحة تداويها بعيدًا عن الأنظار، ثم تظهر محددة وقت ما تريد هي أن تفعل.
نظر لنفسه في المرآة، كان مشعث الشعر، مرهق الوجه، ذلك الرجل القوي الصلب مفتول العضلات، الواثق بشخصه الثابت مع جميع النساء، كان للهوي رأي آخر معه، ووقع في لعنته وانتهى الأمر.
……………….
توقفت فيروز مع أسيل أمام البوابة الكبيرة بعد أن انتهت أسيل من زيارتها، ابتسمت لها وقالت بامتنان:
_كل مرة بجيلك تعبانة، بس بمجرد ما بفضفض معاكي بحس إني ارتحت
احتضنتها فيروز قائلة بود:
_ما تتردديش أبدًا إنك تيجي، إحنا مالناش غير بعض
_طب وانتي يا فيروز
_أنا إيه؟!
_هاتفضلي كده لأمتى، حساكي لا قادرة تكملي ولا عارفة تبعدي
نظرت فيروز أمامها بحيرة قائلة:
_حاسّة إني هانجرف مع مشاعري للمرة التانية، وده مضايقني، لأني خايفة ومش عايزة أتخذل تاني
قالت أسيل:
_قاسم اتغير، وأنا حاسة بده، وانتي بتقولي بيحاول يصلح اللي عمله، فاكرة لما قولتِلي في علاقتي مع ياسين، لو عارفة إن المرار من بعديه شهد يبقى يستاهل الفرصة التانية
_ياسين مش زي قاسم يا أسيل، في فرق كبير بينهم
_فعلاً، لكن قاسم ما هربش، وبيحاول يصلح اللي عمله، انتو الاثنين اتحطيتوا في اختبار صعب
أومأت فيروز برأسها وعينيها مثبّتة على أسيل التي قالت ناصحة:
_فرصة أخيرة، أنا عارفة إن قاسم بيحبك
لم تجبها فيروز، بل التفتت الفتاتان لبوق سيارة قاسم ومن خلفه سيارة حراسته، ترجل قاسم بعد ما ابتعدت الفتاتان عن البوابة، فاقترب منهن مرحبًا بأسيل:
_إزيك يا أسيل، ليه واقفة ما دخلتِش
أجابته بأدب:
_متشكرة، أنا هنا من شوية وكنت مروحة
نظر إلى فيروز قائلاً:
_لو كنت أعرف، كنت جيت بدري واتغدينا كلنا مع بعض النهارده
شعرت فيروز بالألفة دفعة واحدة، غداء وابنة عمها، في جلسة شبه عائلية، وعائلتها تدخل وتخرج من منزلها في ود وصلة أرحام لم تعرفها، وزوج صاحب ذوق ومرحب بعائلتها بكرمٍ ودفء لم تشعر به يومًا.
_فيروز يا فيروز
انتبهت إليه ورمشت بعينيها عدة مرات، وقد لاحظ شرودها، بينما ودعتها أسيل ثم خرجت معها فيروز من البوابة من الخارج، وأشار قاسم للحرس بالابتعاد قليلًا، صعدت أسيل لسيارتها وهي تبتسم لها مشجعة هاتفه:
_على الأقل حد فينا يبقى مبسوط، بدل النحس اللي إحنا فيه ده
ضحكت لها فيروز وشاهدت سيارتها تبتعد، وشردت للمرة الثانية ولم تشعر به بجوارها متسائلًا:
_انتي كويسة
التفتت إليه ثم ثبتت عينيها عليه للحظات، ماذا كان يحدث لو لم يحدث كل ما مضى؟! وتوقفت عند آخر لقاء بينهما، بعيدًا عن وجه الغاضب وملامحه الشرسة، وعنفه المؤثر في نفسها، وخوفها منه.
كانت تراه مثل الآن، هادئ الملامح، ينظر لها بتلك الطريقة صاحبة الألف معنى، ولون العشب الأخضر المتوهج يزداد ويزداد، فتمتد جذوره بداخلها، تقارب رأسها صدره، الذي لم تستند عليه وتغفو كما تمنت ذات يوم، يبتسم لها فتخجل وتتدلل.
تنهدت وقد جرفتها كلمات أسيل لمشاعر قد دفنتها في أعماقها، مستسلمة لما فرضه عليها الواقع، خرجت من شرودها، واستعادت تركيزها لتقابل عينيه المثبتة عليها، ارتبكت وأخفضت أنظارها عنه، فابتسم بحنان قائلًا بخفوت:
_شوفي إيه يا فيروز
رفعت عينيها متسائلة، فابدّد حيرتها حين قال بحنو:
_شوفي إيه في عيوني، خوفتِ ولا اطمأنّتني، شوفي صورتك فيهم ولا ضباب، قالولك انتي بالنسبالي إيه ولا ما عرفوش
مد يده وحاوط يديها يكفيه، وبههمس كاد يذيبها:
_قالولك بحبك قد إيه
