للهوي رأي آخر ج2
بقلم سارة حسن

ضمت شفتيها بخجل، ولم تسحب يدها منه كعادتها، مما شجعه على لمس وجنتها بأبهامه، فتجرأ أكثر ليقترب ويلثم جبينها بقبلة طويلة معتذرة ومحبة، ابتعد ورأى وجهها المتوهج الأحمر فابتسم بخفوت، فتحت عينيها وقابلت سواد عينين واسعتين مكحلتين بصنع الخالق، وكانت أول شيء سحرته بها.
تمتم باسمها بسحر عدة مرات، كأنه يتأكد أنها حقًا أمامه بإرادتها، وكانت ساكنة رغم أنها ترتجف، لكنها لم تنفر أو تبتعد وتعنفه.
أغمض عينيه بصيق عندما علا رنين هاتفه، في ذلك الوقت تحديدًا، ابتعدت فيروز خطوة للخلف وهي تضع خصلة خرجت من رابطة شعرها، وضعتها خلف أذنها، أجاب على الهاتف، وللحظات تحولت ملامحه للقلق:
_يعني إيه ما تعرفش عنها حاجة يا موسى
صمت للحظات مستمعًا لإجابة موسى، فقال مجددًا بضيق:
_وانت إزاي ما تعرفهاش حاجة زي دي، ما كنت عارف دهب ودماغها هاتروح في مليون سكة، طب اقفل أنا جاي لك
قال لها على عجالة من أمره:
_ادخلي البيت يا فيروز، أنا رايح مشوار مهم وراجع
كان سؤالها الواضح:
_مين دهب؟!
_أختي
ردّت من خلفه بصدمة، فقال موضحًا:
_أختي من أم من كامليا، حكاية طويلة يا فيروز هاحكيلك أول ما هارجع
تحرك خطوتين ثم عاد إليها واستند جبينه بحبينها هامسًا:
_مش هاخبي عنك حاجة أبدًا، أوعدك
أومأت برأسها أنها في انتظاره، وعندما تأكدت أنها داخل أبواب منزله محاطة بحراسه، ليس لشيء سوى أن يطمئن عليها، تحرك لصديقه الذي كان يزأر في الهاتف كالأسد الجريح.
………..
يدور حول نفسه بغير هوادة، وقد هلك ببحثه عنها دون فائدة، دخل قاسم فجاء وقال:
_مش عند كامليا ولا عند أي حد تعرفه
نفخ موسى بغضب قائلًا:
_طب راحت فين، إزاي أوصل لطريقها
قال قاسم مؤنبًا:
_بصراحة غلطة ما تجيش منك انت يا موسى، كنت فاكر إنك قايل لها، بس إنها تعرف بالطريقة دي هاتتأكد إنك كنت قاصد تخبي، ودهب وانت عارفها
_أقول لها إيه، على إيدك كل حاجة، كل الدنيا ما تهدي بينا شوية تولع تاني، قولت استنى شوية في وقت مناسب وكنت هاصارحها بكل حاجة
صمت قاسم، دون أن يزيد على صديقه بحديث ليس وقته، لكن موسى قال باختناق:
_الحكاية مش على قد جوازي القديم بس
تساءل قاسم بترقب حذر:
_يعني إيه
_عرفت بموضوع كامليا وأبويا
مسح قاسم وجهه بيديه هادرًا:
_مش وقته، ما كانش وقته أبدًا
وضع موسى رأسه بين يديه بحزن، وإحساس العجز لم يشعر به يومًا، متناقضًا لموجة غضب منها في هروبها واختفائها بتلك الطريقة المعذبة له، اقترب منه صديقه وبرغم قلقه على شقيقته وحزنها بمفردها دون أن تترك له فرصة التوضيح، لكنه يعلم أنها مجروحة وبشدة.
ربت على كتفه وقال ليهدئه:
_دهب قوية، هاتظهر لما تحس إنها قادرة تواجهك، وأنا هاعمل كل حاجة علشان نوصل لها في أقرب وقت، والباقي عليك يا موسى، مهمة إقناعها أصعب من إننا نلاقيها أصلاً.
تركه قاسم بعد تجاوز الساعة منتصف الليل، دخل بسيارته، وقد ضاق نفسه فجأة، غياب دهب وقلقه عليها، وحزنه على صديقه، بدّدوا أي سعادة دخلت قلبه قبل لحظات من معرفته بأختفاء شقيقته، بتمني أن تكون فيروز في انتظاره، سيخبرها بكل شيء عن دهب، عن أشياء فعلتها ولم تعلم هي عنها، لن يخفي عنها شيء أبدًا، حتى لا يكون بينهما أي حواجز بعد الآن، حتى لا يكون هناك باب لابتعادها عنه في يوم، لا يصدق رقتها معه اليوم وتقبلها لقربه وللمسته دون أن تنفر وتبتعد، ربما رق قلبها أخيرًا وسيعمل على ألا يخذلها أبدًا.
انتبه لحركة سيارته المضطربة، فسأل قاسم السائق:
_في إيه؟؟
كانت إجابته المقلقة:
_في عربيات بيقفلوا عليا بطريقة غريبة
ثم علا رنين هاتف قاسم، استمع لإحدى حراسه في السيارة من خلفه يقول له:
_قاسم باشا في حركة غريبة، استعد لأي اشتباك
أخرج قاسم سلاحه من أسفل كرسيه، وفتح زر الأمان، وها قد حدث ما توقعه، محاولة أخرى لاغتياله، دوت أصوات طلقات الرصاص من السيارات السوداء التي تحاول أن تصطدم بهم، والسائق يحاول أن يتفادى اصطدامهم به، وقاسم من الخلف يطلق عليهم الرصاص محاولًا تشتيتهم، لكن رصاصهم كان الأكثر، وعددهم كان أكبر، فاحتجزت سيارة الحراسة بين سيارتين أصحابهم ملثمين، وتبادلوا الطلقات مع بعضهم، وسيارة قاسم تحاول الصمود وسط تلك الحرب المفاجئة، وهو يحاول أن يضرب إطارات سيارتهم ونجح في ذلك، حتى توقفت إحدى سياراتهم واصطدمت بإحدى صناديق القمامة القديمة، والأخرى اصطدمت بجانب سيارة قاسم بقوة حتى انقلبت فجأة عدة مرات، عمّ الصمت المكان، وساد الظلام.


