للهوي رأي آخر ج2

بقلم سارة حسن

……………………..

شعرت بظل أمامها، حجب عنها أشعة الشمس التي كانت مستمتعة بها، فرجت عن جفنيها، وقابلها زوج من العيون بلون العشب وأوراق الشجر، قاسية وحنية، تلمع كالزمرد وتارة أخرى تكون كاللهب الأسود، كانت تنظر إليه في سكون، وهو أمامها لم يكن نافذًا للصبر، لكنه انحنى جالسًا جانبها، فاعتدلت فورًا وفاجأها بوضع رأسه على فخذها، تجمدت فيروز، وثبتت كالتمثال تنظر إليه بصدمة، فاعتدل برأسه أكثر مستكشفًا ردة فعلها، فاستمعت لصوت ضحكته وقال قاسم:
_ فيروز اقفلي بؤك
أغلقت فمها بالفعل، وتململت ترغب في النهوض، لكنه قال بهدوء بعد ما أغلق عينيه:
_ اقعدي شوية
_ مش عايزة
_ مش ها ضايقك
وسكتت فيروز، وهو أيضًا، بعيدًا عن الجو المشحون بينهما، إلا أنها كانت لحظات هادئة بينهما ونادرة، فتح عينيه فجأة وتسائل بصوت رخيم:
_ عجبتك الجنينه؟
ورغم أنه يعلم الإجابة، إلا أنه أراد أن يسمعها منها، فقالت فيروز:
_ أه
_ إيه أكتر حاجة عجبتك فيها؟
_ الورد الأحمر، والفل والياسمين
_ بتحبي الفل والياسمين؟
_ جدًا
رأت ابتسامته وقال:
_ كل يوم هايوصلك فل وياسمين مخصوص
تململت وبترقب قالت:
_ لا مش عايزة
_ ليه ما أخذتيش الشنطة؟
_ مش عايزاها، أنا عايزة الهدوم اللي عند عمي
بهدوء قال دون أن يعكر صفو جلستهم:
_ بس أنتي بقيتي مسؤولة مني، ما ينفعش كل ما تحتاجي حاجة تروحي تاخديها من عمك
سكتت لبرهة، وبصوت مختنق قالت:
_ وأنت فاكر إن بقي لي الحق ده بعد اللي أجبرتني أعمله معاه؟
اعتدل قاسم وجلس قبالتها منحني للأمام باتجاهها قليلاً:
_ أنا كنت بحافظ على حقي فيكي
_ أنت أناني يا قاسم
_ ليه تسميها أنانية يا فيروز؟
_ لأنك كده فعلا، بتاخد اللي انت عايزه ومش مهم الطرف التاني عايز إيه

ثبت عينيه عليها، حتى حصل على كامل تركيزها وقال بتمهل وخفوت:
_ وليه ما تسميهاش حب، إنك أول حاجة اختارها وتمسك بيها
أخفضت هي عينيها، وكأنها تهرب من ذلك التأثير القوي الذي يلقيه عليها، كأنه يسحبها لعالم آخر بسحر.
_ في يوم واحد قطعتي المسافة اللي بينا مرتين بإرادتك، في المستشفى يوم تعب كمال.
برقت الذكرى بعقلها، وقت ما دافع عنها أمام نازلي بافترائها عليها، وقد تصد لها حينها.
رفعت أنظارها إليه، وقالت:
_ فعلا، شوفت فيك الحماية، فرحت إنك ما تأثرتش بالكلام اللي اتقال عني، لكن في موقف تاني، كان تأثير الكلام ده عليك أقوى، صدقته وشوفتني زي ما هما عايزينك تشوفني.
صمت قاسم قليلاً ثم تنهد وعاد مرة إلى جلسته الأولى وقال:
_ أتمنى ما حدش يشوفك زي ما أنا شايفك يا فيروز
باستغراب وعدم فهم قالت:
_ يعني إيه؟
بمراوغة قال قاسم بعبث:
_ العبيلي في شعري
_ نعم
صرخت بها فيروز مستنكرة، ثم دفعته من عن قدمها وجلست مستندة على ركبتيها قائلة:
_ ابعد كده عايزة أقوم
_ ليه خليكي شوية
التفتت حولها متهربة من عينيه المحاصرة لها وقالت:
_ مش عايزة أقعد معاك
_ إلا قوليلي، مين سماكي فيروز؟
_ أمي
استقامت واقفة منفضة ملابسها، فأوقف هو الآخر وتسائل:
_ طب عارفة معناه؟
بتهرب من الوقوف أمامه قالت:
_ لا
وكادت أن تتحرك من أمامه بهروب، إلا أنه استوقفها بيده واقترب منها، فاتراجعت هي للخلف، واستمرت في تراجعها حتى اصطدمت بالشجرة من خلفها، وبصوت رخيم وعينين شغوفتين قال قاسم:
_ حجر كريم أزرق اللون، نادر الوجود، ومن بين كل الناس كنت أنا أكثر حظًا وبقي معايا، ملكي، في قلبي.
زاغت عينيها وتوهج وجهها، لكنها دفعته بقوة حتى ابتعد وركضت هي أمامه للداخل، ولم يستطع أن يؤدِ تلك الابتسامة النادرة على شفتيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *