(أشباح المخابرات2) من الفصل الحادي والعشرون الى الخامس والعشرون
بقلم أية محمد رفعت

لم تكن أمامه خيارات أخرى سوى أن يسعفها بنفسه، فإن انتظر عودة “زين” الذي تأخر عن المعتاد، سيجازف بحياتها وبالطبع هو الأحق بعلاجها من أي طبيب قد يكشف أمرهم.
جذب “ياسين” حقيبة الإسعافات الأولية الضخمة، التي أعدت للتعامل مع إصابات الطلق الناري بكافة أنواعه.
ارتدى الجلفازات الطبية، وبدأ بسحب المخدر من الأنبول الصغير، ثم اقترب يبعد جاكيتها للخلف وقبل أن يحقنها، وجدها تتطلع له بهدوءٍ عجيب وتقول بابتسامة صغيرة:
_شيخ الفريق هيعالجني بنفسه! كنت فاكرة إنك هتسبني كده عقاب ليا لحد ما أخويا يرجع.
منحها نظرة منهزمة، تعكس رعبه الحقيقي عليها، بينما يتمسك بنبرته الثابتة رغم ارتجافها:
_قصاد عنادك معنديش أي حل تاني، إنتِ عندك أي حلول عنيدة هانم؟
هزت رأسها بالنفي، وتبسمت وهي تجيبه:
_لو كنت موجود معايا حلك كان هيكون حاضر، زي كل مرة كنت بتتصاب فيها مكاني، بس النهاردة قررت أتحمل نتيجة تهوري بنفسي.
واسترسلت وهي تقاوم الإغماء الوشيك:
_ إنت مالكش أي ذنب تتحمل نتيجة عنادي تاني يا ياسين!
ضم شفتيه بقوة يحجب دمعة تلوت داخل عسليته، دس المحقن بوريدها، وقال بصوتٍ كان الأخير الذي تسلل لها قبل فقدانها للوعي:
_وجعي أهون ألف مرة من وجعك، الألم الجسدي أسهل بكتير من جلد الذات اللي أنا فيه.
مالت على الوسادة استجابة لإبرته، فيما مضى هو وسحب الطلقة عنها، ثم شرع بتقطيب الجرح، ووضع اللاصق من فوقه بعدما طهره جيدًا.
انتهى مما فعله، وقد ترك حوله العديد من القطن الحامل لدمائها، لملم “ياسين” الأدوات وأعادها لحقيبته، ثم انحنى يجمع القطن بأصابع مرتجفة، استنزفت دموعه، فإذا به يجلس أرضًا مُستندًا بظهره على حافة الفراش، وهو يسمح لذاته بأن يتجرع مرارة ألمه وخوفه الذي كان يعتاد التعايش به سابقًا، ولكنه الآن يفوق طاقته.
خطف نظرة لوجهها الشاحب، المطعون بالألم الذي يتسرب لجسدها بعدما تلاشى عنها مفعول المخدر المُؤقت، وقد تحررت عنها تأوهات خافتة.
زحف حتى وصل لحقيبته، انتزع منها حبات مسكنة، ونهض بجسدٍ غير متزن، يجذب كوبا من المياه.
عاد وهو يسحب مقعدًا حديدًيا، وضعه جوار الفراش وجلس يقرب منها ما يحمله وهو يناديها:
_مرين خدي الدوا ده.
فتحت جفنيها الثقيلين بصعوبة، ورددت بهمسٍ غير واعٍ:
_ياسيـن.

