(أشباح المخابرات1)من الفصل السادس عشر الى العشرين
بقلم أية محمد رفعت

جلس “تيام” على الأريكة الجلدية السوداء، يتفحص الأجهزة والثلاجات الضخمة التي لطالما احتفظ بداخلها على سموم، خرجت من تحت صنع يديه لتأذي البشرية.
ذلك المكان نفسه الذي شهد على أدوية كانت لتنقذ البشرية من أمراض مزمنة كالسكر والضغط والسرطان، والفيروسات القاتلة مثل الكورونا ومشتقاتها وما كاد لعقله أن تتخلله المزيد من الذكريات حتى أتاه صوتٌ يعلم صاحبه جيدًا، والوحيد المصرح له بالدخول إلى هنا، لأنه يمتلك صلاحية التحكم في آيلا:
_اشتقت لمكانك المفضل، ولا نازل تلوم نفسك يا دكتور؟
اتجه بصره إلى المصعد السري الذي ظهر فيه “عثمان” الذي لم يغادر جناحه الا لأضيق الظروف، رفع إصبعه فتحرك المقعد إلى الداخل، حيثما يجلس ابن عمه الذي عاد يطمس رأسه للأسفل، وكأنه يحارب وجعًا قاتلًا حرره بسؤاله الثقيل:
_رحيق مظلومة ولا خاينة؟
بدا وأنه بذل عناءًا لبصق تلك الكلمات من داخل جوفه، وما أن رفع رأسه إلى “عثمان” حتى ردد:
_ريح قلبي أرجوك، أنا عارف إن هارون طول عمره بيكرهني لإني كنت أقرب واحد ليك، وعارف إنه وقعها عشان يكسرني أنا، بس اللي مش فاهمه وقعها إزاي وبأي طريقة، مهو لو كان عملها حاجه أو بيهددها بحاجه كانت هتقول، أنا اترجتها تتكلم ومتكلمتش!!
تحرر عن صمته الطويل، وقال بنبرة استحضر فيها الهيبة:
_لو راجع عشان البت دي خد بعضك وارجع مكان ما كنت.
وأدار المقعد حتى يعود إلى المصعد، لحق به “تيام” يصرخ:
_لو عايزني أرجع زي ما كنت ساعدني أريح قلبي اللي شاعلة فيه النار ومش راضية تنطفي عنه!
لف “عثمان” مقعده له، وبصوته الواثق قال:
_نارك عمرها ما هتنطفي يا تيام، خليك فاكر إني زمان نبهتك من صنف الحريم، حذرتك تقع في شباكهم المخادعه، وإنت مسمعتش كلامي ووقعت.
واستطرد وهو يتابع النظر إليه مباشرة:
_الوجع هيطولك ده شيء أكيد، يا أما بخداعهم أو خيانتهم ليك أو بفراقها عنك سواء كانت حية أو ميتة، من الآخر مينفعش راجل يبني حياته على ست، الظاهر إنك متعلمتش حاجه، هتفضل زي ما أنت!
تركه وغادر من أمامه بالمصعد الذي تحول لحائط أبيض فور اختفائه، بينما يعود “تيام” مهمومًا لنفس أريكته ومازال يفكر كيف وبماذا سيبدأ؟!
******
عاد “عثمان” إلى جناحه ووجهه جامد كاللوحة الثابتة، مضى صوب الشرفة يدقق النظر في ليلٍ سماه تلبد بالغيوم، وبينما هو على حاله اذ يتسلل له صوت حذائها، فأجلى صوته القاتم:
_على فين يا دكتورة؟
