(أشباح المخابرات1)من الفصل السادس عشر الى العشرين
بقلم أية محمد رفعت

بينما تنغلق أجفانها استسلامًا للدوار، وقبل أن تغلقهما بشكلٍ قوي، رأته يشرف عليها بقامته، يرفع رأسها بين كفيه، وهو يتفحصها باهتمامٍ ولهفة كانت ظاهرة داخل عينيه الرمادية، وفجأة اجتاحها ألم خفيف حينما دس محقنًا كان يحمله داخل وريدها، وحينها فقدت الوعي بشكلٍ كامل!
أفاقت ومازالت تتمسك بالمرآة، وحينما فتحت عينيها الموصدة رأت انعكاس صورته بها، يجلس بنفس الهيبة والبرود، وكأنه يثق بما ستتمكن من تذكره وبما محى من عقلها بشكلٍ أبدي!!
استدارت له” قدس”، ومازالت تحتمل على الانتيكات المتفرقة من حولها، وبغضبٍ شديد صرخت:
_إنت عملت فيا إيــــــــه؟
حافظ على نظراته الثاقبة نحوها، وبخبث سألها ببراءة تغادر مغادرة أبدية عن شخص مثله:
_أنـــا!! عملت إيه يا دكتورة؟!
تشبثت بما تميل إليه، وصاحت بانفعالٍ:
_إنت حقنتني بإيه؟!
اتسعت بسمته وبسخرية قال:
_يعني إنتِ مش فاكرة وقعتي إزاي وفاكراني وأنا بحاول أخففلك وجعك يا دكتورة؟
زاد ألمها بشكلٍ كبير، مما جعلها تتيقن أن إصابة رأسها أكبر مما تتوقعه هي، احتملت على الحائط حتى دعمت وقوفها، وتساءلت وعينيها لم تخسر حدتها بعد:
_تخففلي وجعي إزاي؟ واشمعنا في رقبتي، إنت ناسي إني دكتورة ولا إيه؟!
راقب قوتها الكامنة ببنية عينيها الشبيهة بحبات القهوة، تلك الفتاة الغامضة تجعله يختبر شيئًا يجهله هو، يُجزم أن جسدها الآن يؤلمها لوقوفها الطويل، ومع ذلك تتمالك قبالته وكأنها ليست طبيبة، بل محاربة تجابهه في ساحة معركة هو سيدها أو كما ظن هو.
تحرر عن صمته المدروس، وهو يطالعها بصلابة:
_جرحك كان كبير وأي مسكن مكنش هينفعك، ده غير إنه كان هيأخد وقت، فأسرع طريقة عشان مفعوله يشتغل هي الطريقة اللي عملتها عشان أقدر أخيطلك الجرح يا دكتورة.
توسعت عينيها بدهشةٍ، ورددت بصدمة:
_إنت اللي خيطتلي الجرح؟!!
قالتها واستدارت للمرآة مجددًا، تنزع الضمادة بفزعٍ من أن يكون شوه جبينها ورأسها من الخلف، فاذا بها تتطلع لنفسها بصدمة تزداد عليها عنفًا، ومن خلفها ابتسامة واثقة كأنه يتوقع ما سيصيبها، بينما تتحرر نبرته الرزينة:
_عيب البشرية كلها إنعدام الثقة.
جبينها كان طبيعيًا بشكل مبالغ فيه، ولولا شعورها بالألم لظنت أنها لم تُصَب بأي جرحٍ، حتى رأسها من الخلف كان الجرح مُقطبا بنفس الطريقة الساحرة.